لا وقت إلا للحياة(*)
-1-
الظروف الصعبة والمحنة القاسية التي نتعرض لها، بسبب الصراع الذي اتخذ من الساحة السورية مسرحاً له، وتشابكت فيه أطراف محلية وإقليمية ودولية، حتى ليصعب فك التداخل بينها. وقد أسفرت عن مواجهات عنيفة استطالت وتعقدت مما انعكس على حياة المواطنين اليومية بدءاً برغيف الخبز مروراً بالموت المتربص في كل زاوية وشارع، ونشر الذعر وحالات الرعب بين السكان الآمنين حتى في منازلهم، انتهاءً في محاولات تقسيم وتقطيع الوطن الواحد تماماً كما تقطع الأجساد المتناثرة على جدران المباني والأرصفة.
إرادة الحياة لدى أبناء الشعب السوري، أقوى من التدمير والتخريب، فما زال الأطفال يواصلون الذهاب إلى مدارسهم، والموظفون إلى دوائرهم، والعمال إلى معاملهم، مستصغرين الموت بقدرتهم وإصرارهم على متابعة الحياة.
توزيع الموت ونشر الإشاعات، والأكاذيب، وتهديد السكان، وترويعهم، بسيول ترويج الأحقاد وإحياء الضغائن، وإعادة إنتاج ثقافة القبيلة والطائفة، وتراجع وتهميش ثقافة المواطنة، لن تُثنَي إرادة السوريين عن الإصرار على العيش المشترك، على أساس التعدد والاختلاف في إطار وحدة المجتمع والوطن.
-2-
يقولون: (تعددت الأسباب والموت واحد).
إذا كان الموت فعلاً فيزيائياً عضوياً، أي توقف الحركة وفقدان الإحساس، فالموت بهذا المعنى الضيق واحد، لكن للموت دلالات ومعانيَ أعمق، وأبعد من ذلك، بوصفه حدثاً يتعلق بالإنسان بكل ما يحمل من قيم ومثل ومعايير، فهو يكتسب فضاءه الدلالي من الهدف الذي يموت الإنسان من أجله، وهنا يصبح معنى الموت بعيداً عن التجريد، رهناً بالغاية والهدف منه، ومهما اختلفت طرق الموت وسبله فلا يمكن أن يتساوى موت من يضحي بحياته من أجل وطنه، وموت من يقضي متلبساً بعار الخيانة لمصالح الوطن والمواطنين، (فطعم الموت في أمر عظيمٍ ليس كطعم الموت في أمرٍ حقير). على حد قول جدنا المتنبي.
مغزى الحياة، أهم من الحياة ذاتها، فإذا انعدم مغزاها فلا معنى ولا طعم ولا قيمة تذكر لها.
ثقافة الإقبال على الحياة والعيش وفق مغازيها وأهدافها الصغيرة والكبيرة، من أهم مقومات مواجهة ثقافة بث الذعر والتخويف، والتعلق بالحياة من أقوى مرتكزات صمود الإنسان فرداً ومجتمعاً. والذين لا يقيمون وزناً. وقيمة لحياتهم، ليس من حقهم مصادرة حياة الآخرين وتدميرها تحت أية حجة وأي شعار، لا سيما إذا كانت الحجج واهية، والشعارات براقة تخبئ أحقاداً دفينة تكشف الفقر الروحي، والخواء الأخلاقي، وانعدام القيم الإنسانية، لمن يعمل على ترويجها بين الناس.
كيف تقوى تلك الأيدي العابثة والعقول المغلقة، والمصالح الضيقة، وقصر النظر، على اغتيال ضحكات الأطفال، وإجهاض أحلام الشباب، وتعطيل حكمة الشيوخ، وتخريب الوطن، بتفكيك عرى الأخوة بين أبنائه، وإضعاف تلاحمهم، وتعطيل طاقة التفكير السليم لديهم، بإطلاق العنان للغرائز والتصرف وفق ردود الأفعال، ودفع المواطن للبحث عن حلول فردية ومخارج هروبية، بدلاً من المواجهة الفعلية للأزمة، التي هي أصلاً اجتماعية اقتصادية، سياسية، مركبة ومتقادمة، لا تُعالَج إلا على أساس من الحوار الفعال بصياغة حل سياسي خلاق يشارك فيه أبناء الوطن الواحد ممثَّلين بنخبهم السياسية والثقافية والفكرية، التي تمتلك شجاعة الاعتراف بالأخطاء، ومهارة تقديم التنازلات التي لا تخل بمكانة سورية ودورها التاريخي في المنطقة. ذلك لن يكون إلا إذا غيرت جميع الأطراف المشاركة في الأزمة وفي سبل الخروج منها، من طرائق تفكيرها واعترافها بعدم امتلاك الحقيقة.
-3-
التنوع الإثني والديني والفكري والثقافي من أهم ما أُنجز عبر التاريخ في سورية، وهو مصدر فخر واعتزاز لكل سوري مهما اختلفت مرجعياته وتباينت رؤاه، والجامع الأعم مظلة الوحدة الوطنية المستهدفة التي لم تتفكك عراها رغم الممارسات المتفاعلة والمتراكمة في السياسة والاقتصاد والثقافة، والتي مهدت لانفجار الأزمة، بتأجيل حلولها، فاستغلت أبشع استغلال المطالب العادلة والمحقة، للشعب السوري، وانحرفت إلى أعمال قتل وتخريب وتعطيل، تضافرت في صياغته بعض القوى من الداخل والخارج العدواني المتربص. لكن الشعب السوري بحكمته وبإصرار أبنائه على حب الحياة، في مواجهة الموت، قادر على تجاوز الأزمة وبناء حياة جديدة تليق بإمكانياته وعراقة تاريخه وعظمة إنجازاته. فما قدمه من تضحيات وصبر على الشدائد وتغليب للمصلحة الوطنية العليا على المصالح الفئوية الضيقة، تؤهله للحياة في وطن لكل أبنائه، بصفتهم مواطنين يعرفون واجباتهم في حمايته ولهم حق المشاركة في اتخاذ القرارات والخيارات المصيرية المتعلقة بحاضره ومستقبله.
إرادة الحياة أقوى وأعظم بما لا يقاس من رهبة الموت، الذي يروع أبناء شعبنا المعطاء، والقدرة على استعادة الاستقرار والبناء أمتن من الفوضى والدمار وغياب الأمن التي يعمل على إشاعتها في الوطن.
فمهما عظم الهدف الذي نموت من أجله، تبقى الحياة من أسمى أهداف الإنسان، الحياة التي تؤسَّس على المساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص، والحرية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية.
(*) عنوان قصيدة للشاعر الدكتور نزار بريك هنيدي، تحتويها مجموعته الأخيرة، والتي تحمل العنوان نفسه.