أمين الريحاني… الحرية أولاً!

أمين الريحاني (1876­1940) بحاثةٌ ورحالةٌ بين أقطار المغرب والجزيرة العربية والولايات المتحدة. وقد أغنانا عن سيرته الذاتية مأثوره (الريحانيّات)، وهي نوعان أو جنسان: الشعر الذي نشره، والمقالات التي كتبها مابين 1910و1923. وأما شعره فلا يُقاس على نثره، ولا تنبغي له طرائق الوصول إليه. ولعله كغيره من رواد النهضة يُجرب في غير مجال، فكتب الرواية (خارج الحريم­ زنبقة الغور­ ملوك العرب). وكان معجباً بالمعري، ويبدو أنه تلمس خطاه في (الشعر­ النثر) وقد نقل بعض شعره إلى الإنكليزية. وفي الريحانيات نزوع مثالي يتجاوز ثنائيات رجالات النهضة في التوفيق بين النزعتين: المادية والمثالية. وفيها أيضاً تأسيسات لفكر مادي دارويني، مما يجعل القارئ يعتقد بأنه داعية لنظرية التطور وفق مبدأي: النمو والاستحالة. ويذكر الريحاني: (أن قانون التطور هو ناموس الحياة البادي في تفاصيلها وعلى وجه الجمال… الثورة ساعد التحول وروح الثورة في قانون التحول والنمو).

وإذا كانت هذه الآراء اليوم تبدو عادية مألوفة بحكم ما آلت إليه ثقافة التقدم عبر الترجمات عن المصادر الأم، وبفعل (النخب) التي أشاعت المناخ الغربي في البيئات المحلية. ومن أهم مفردات ذاك المناخ التمييز بين الثورة العلمية والثورة السياسية عبر المؤسسات السياسية والعلمية. فإنها في مطلع القرن العشرين كانت خرقاً ضوئياً للجدران القروسطوية المتأصلة و(العثمانية) الظلامية… ولعل مقالته الأشهر (الجانب السياسي) (الحرية أول حقوق الإنسان) تفصح من غير ريب عن تقدم الذهنية النقدية على ذهنيات النهضة التوفيقية، ولا سيما أن صاحبها كاتب لا شاعر، طبيعي دهري لا إيماني  غيبي.

 يقول: (والحقيقة أن الإنسان لا يُفلح ولا يرتقي إلا بممارسة حقوقه الطبيعية، وأن الأمم لا تنشأ إلا بنشوء أفرادها، وأن الحكومات الحرّة لا تقوم إلا بشرائع عادلة  تسنّها المجالس النيابية لا بأوامر يصدرها الملوك والسلاطين وأول حقوق الإنسان (الحرية: حرية الفكر، وحرية القول، وحرية العمل؛ وأول أسباب الرقيّ في الأمم الحرية الاجتماعية والحرية السياسية والحرية الدينية…).

وما أسماه الريحاني (الحقوق الطبيعية) إن هو إلا راسمٌ سياسي لقناعته التي عُهدتْ عنه، وهي (تأليه الكون) والتأليه للطبيعة، يعني إقالة التأليه عن غيرها. فهو مقتنع في موقع آخر (إن الله شيء موجود في كل شيء)، وهذا يعني أن الطبيعة وجود لا نهائي، ولذلك كان يكرر (نحن نتاج الطبيعة وإليها نعود). وإذ يذهب الريحاني هذا المذهب، فإنما يكرس ظاهرة مبكرة وهي النقد الديني الذي يراه لازماً من لوازم النهضة الفكرية والسياسية. وهو مقدمة في الوقت نفسه لإقالة الحق المقدس في استملاك السلطة، ولاسيما أن دعاة (الفتح) العثماني قد ربطوا ­عبر قرون­ استيلاءهم على الأقطار العربية بالرابطة الإسلامية. على أن (الإسلام) بوصفه ديناً كونياً يُلغي الحدود بين الأعراق البشرية لصالح التوحّد بين الأعراق والإسلام.

والعودة بالحرية ­على اختلاف أنواعها­ إلى الأصل الطبيعي مدخل تاريخيٌ لتأصيل الوعي السياسي المبكر لمرحلة فاصلة بين الظلامية العثمانية والاستبداد الأوربي. وما تأكيده على (المجالس النيابية) كمصدر للتشريعات إلا طرح بديل عن المؤسسات الدينية التي تتعالى على البشر في تشريعاتها. أما المجالس فهي مؤلفة من بشرٍ يمثلون بشراً ­بصرف النظر عن طرائق التمثيل­ والبشر أدرى ببعضهم من النصوص المغلقة التي أغلقت الحرية على الإنسان وأجبرته على الامتثال والخضوع.

ويتابع الريحاني في الحرية مفصِّلاً: (وأول دلائل الحياة الراقية أنْ يتمتع أفراد الأمة على السواء بهذه الحقوق الطبيعية فيسْعَون دائماً لتعزيزها وينهضون للدفاع عنها عندما تُقيَّد وتُمتهن).

إذاً (الحرية) لا تقبل التخصيص، فليست أعطية من متكرِّم هنا أو هناك، ما دامت حقاً طبيعياً، والحق الطبيعي لا يبقى عند حدوده الأولى، إنما يكيّفه الإنسان وهو يبني مؤسساته الاجتماعية. وعلى الرغم من انحدار الريحاني ­كما هو معروف­ من أسرة مسيحية إلا أنه يوجه صلواته ­عندما يصلي­ من أجل الإنسان مباشرة ­دون وساطة الكنيسة (الإكليروس) إلى الله­ الطبيعة (ومن هنا تتهمه الكنيسة بالكفر. والغريب أن الأديب والناقد مارون عبود عدَّه مؤمناً أعمق الإيمان، ويبدو أن هناك تغايراً متباعداً بين المفكر والأديب، فلكلٍّ مقاييسه رغم التقائهما في مشكلة الإنسان وإشكالية الحرية والوجود.

لقد أدْلى الريحاني بآرائه حول الحرية غير مرة وفي غير مقالة، إلا أنه كان متَّسقاً فيما أَدْلى به، رغم تباعد المسافة بين المقولات، يقول: (إنه لأجل المصلحة الفردية والاجتماعية لا بدَّ للإنسان من الحرية الروحية، لأنه يحفظ داخله (شرارةُ الخير)، والروحانيات في الريحانيات تتعايش مع (الماديَّات) تعايشاً متّسقاً يفصح عن الغنى المحصل لديه من الثقافة الشرقية، ويفصح أيضاً عن انتمائه العلمي للتقدم الغربي على مستوياتٍ عديدة، أهمها وعي الطبيعة ­ اكتشاف قوانينها­ التخلص من الأوهام العرقية والدينية. وقد حاول إقناع قُرَّائه بإحلال (الآخرة) البشرية محل الأخوة الدينية، فالأولى فرضتها (الطبيعة)، والثانية فرضتها الغَيبياتْ. ومن هنا حاول أن يجمع بين فضائل الثقافة الشرقية المثالية، وبين منجزات التقدم الغربي. ومما هو لافت التفاتَتُه إلى أهمية (الاقتصاد) و(التعليم) كضرورتين للتقدم والالتحاق بالمدنية الحديثة. وعلى الرغم مما أبداه من رفض للمؤسسات الدينية كأصل فاعل في الحياة، إلا أنه أصرَّ على أن (الدين الصحيح هو في القلب)، أي هو فردي لا مؤسساتي، إنه خُلُقي لا سياسي، قيميٌ لا تشريعي.

ولا يُغفل الريحاني أهمية (القانون) لا بوصفه سلطة تُمليها الشرائع البعيدة عن التطور الفكري والسياسي والاجتماعي للإنسان، ولكن بوصفها منجزاً بشرياً قابلاً للإزاحة كما هو قابل للإحلال، فيقول: (ومن أكبر دعائم الحكومات الحرة المستقلة (قانون) يكفل لشعبها هذه الحقوق الأولية، ويوجب عليهم الدفاع عنها يوم ينهض عليها الظالمون ويحاولون قتلها (إنه القانون، ولكن أي قانون… إن نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كانتا مشغولتين بإيجاد البدائل، والبدائل ­مجرد طرحها­ تغدو ­فيما تغدوه­ اعتراضاً على مقولات المؤسسات الدينية (الثوابت)، والثوابت تلك جاءت من النصوص (المقدسة). وأما البدائل فقد جاءت من النصوص البشرية المُنْتَجة من العلوم الوضعية، وفي مقدمتها علوم الطبيعة وتليها علوم الإنسان. والبدائل هذه جاءت من الغرب التنويري العلماني ­ لا الغرب بوجهه الاستعماري. حمْلتها إلى الشرق العقلية النخبية التي حاولت أن توضّع الناتج الغربي التنويري في البينات اللغوية والنفسية في الشرق العربي. وقد ثبَّط جزءاً منها ما ظهر من وحشية المستعمر الغربي في الشام ومصر والعراق، ممّا أحرج النخَب العربية تلك. وبالمقابل فقد قويتْ العقلية النخبية أن تجد (للأنوار) الفرنسية ول (الليبرالية الأوربية) وللماركسية السوفيتية أمكنةً في البنى الثقافية والأبنية السياسية والأدبيات الفكرية، إلى أن وصل كثير منها إلى حدَّ التبيئة والتوطين.

ويذكَّرنا الريحاني بعبد الرحمن الكواكبي( 1848­ 1902) في موقفه الحاسم على صعيد التاريخ والواقع من الاستبداد، وقد ربط بين الاستبداد والجهل، وبين العلم والحرية، يقول: (لا يخفى على المستبد مهما كان غبياً أَنْ لا استعباد ولا اعتساف) إلا ما دامت الرعيَّة حمقاء تخبط في ظلامة جهل، فالعلم قبْسةٌ من نور الله، وقد خلق الله النور كشَّافاً مُبصِراً ولاّداً للقوة. وجعل العلم مثله وضَّاحاً للخير، فكلاهما (الريحاني والكواكبي) رجل نهضة مستنير منوّر. أما أنه مستنير فلأنه تاخم علوم التراث وقارب علوم الحياة، فاختط طريقاً تخلّص فيه من سلطة المورث ليعايش حرية المكتشف الحديث…. إذاً الرجلان مسكونان ب/الأنْسَنَة/ ف/المادي/ مهما كان مغرياً وضرورياً لا ينبغي له أن يحجب (الروحي)، وعلى الأخص في القضايا الاجتماعية.

 ومما يعزز اتّساق الأفق والواقع في (الريحانيات) قوله: (كل واحد منا يحمل لقباً عظيماً، هو أسمى من جميع الألقاب الملكية والسلطانية، وهذا اللقب، هو الإنسان). إن السعي إلى تحقيق (مركزية الإنسان) كان خطوة علمانية مبكرة على طريق (العلمنة) التي لم تكن عند الريحاني (نصيّة) واضحة، وإنما انبثقت من خلال ميله (للحرية) كوجود خارج المثالية الدينية، وفوق المألوف الثقافي والطرح الطبقي. وبناءً على هذا فإن مفهوم (الأخلاق) عنده (قوى مستترة في الروح، تؤثر عليها الأحداث والأشياء). هذا المفهوم الضّبابي مصدر ضبابيته قُدومه من المصادر المثالية، إذ لم يستطع ربطها بالتحولات التاريخية، وعلى الأخص بجانبها (الاقتصادي المادي). بينما ذهب ليربط (الروحي) ب (المادي).

 ومن الدلائل على الارتجاج في صياغته لبعض المفاهيم ذات الطابع الفلسفي قوله: (الإنسان هو نتاج البيئة الخارجية والقوانين)، ومثل هذا الطرح يعزز مثاليته على مادّيته، فهو لا يُقر للعوامل الاجتماعية والأخرى الخارجية بأنها تغيّر من الخواص القارّة في طبيعة الإنسان. ويبدو أن هذه القناعة قدمت إلى متونه في مرحلة لم تكن المعارف الوضعية ولاسيما الداروينية، قد أقْصتْ المثاليتين الدينية الشرقية والمسيحّية الغربية إقصاءً كاملاً، إنمّا توضّع الطرفان في ريحانياته توضعاً توافقياً.

الحرية… إذاً أبعد ما تكون عن (الشعارية) و(الخطابية) و(الدعائية). الحرية اليوم تتأبى على مقولات مفهوم (الخلافة) وتدخل في حرب مع (الأحادية) السياسية والعقيدية. إنما الحرية فكر ناقد يعمل على شرعنة الوجود بشروط المدنية الإنسانية على أساس من شعرية الاختلاف.

لقد هنّأ الشاعر الكبير شوقي السوريين إثر الثورة 1925 على المحتل الفرنسي، مشيراً إلى حتمية وحدتهم الوطنية وإلى الرمز الوطني يوسف العظمة:

فعُلِّقَ في ضمائرِهمْ صليباً

وعُلِّقَ في سرائرِهمْ هلالا

ولم تضِق الحياةُ بنا ولكنْ

زحامُ السوءِ ضيّقَها مجالا

ولو زادَ الحياةَ الناسُ سعياً

وإخلاصاً لزادَتهمْ جمالا

ولا زيادة على شوقي إنما زيادة على ما قلناه، فالحرية لا تنزل منزل الفاقة والاحتياج والجهل، إنما هي ساعية في حرب هذه وتلك.

العدد 1196 - 29/04/2026