المنهج الشكلي الروسي
نشأت الشكلانيّة الروسيّة من جهود تجمعين أدبيين، الأول (حلقة موسكو الأدبيّة) والثاني (حلقة سانت بطرسبرج). ضمت مجموعة الشكليين الروس كلاً من فيكتور شكلوفسكي، الذي كتب مقالة عام 1917 بعنوان (الفن بوصفه طريقة)، وجاكوبنسكي، وأوسيب بريك، وبوريس إيخنباوم (1886-1959)،الذي درّس في جامعة لينينغراد الحكوميِّة مقرَّرَ تاريخ الأدب الروسيِّ وذلك فيما بين (1918و1949).وأهم أعماله في الحقبة الشكلانية: (ميلوديا الشعر الغنائي الروسي) (1922)، و(آنا أخماتوفا) (1923) و(خلال الأدب) (1924) و(أدب) (1927). درَّس في معهد تاريخ الفن في مدينة لينينغراد، ودرس أدب ميخائيل ليرمنتوف (1814-1841)، وليف تولستوي(1828-1910)، وأصدر عن ليرمنتوف كتابين: أولهما بعنوان (ليرمنتوف) (1924)، والثاني بعنوان (دراسات عن ليرمنتوف) (1960). وأصدر عن تولستوي كتاباًفي ثلاثة أجزاء، صدر الجزء الأول عام ،1928 وذلك بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لميلاده. والجزء الثاني بعد مرور ثلاث سنوات من إصدار الجزء الأول،والثالث عام1960. وكتب بوريس إيخنباوم عن أدب غوغول(1809-1852)،فدرس كوميديا المفتش العام (1836)، وشخصية إيفان خليستاكوف، ورئيس البلدة. وكذلك قصة المعطف (1841)، وركّز على شخصية أكاكي أكاكيفيتش، ذلك الموظف الفقير،الذي مات قهراً، وأخذ شبحه يظهر لأغنياء العاصمة.
بدأ هذا الموضوع في الأدب الروسيِّ نيكولاي كارمزين (1766-1826) الذي كتب قصة (ليزا الفقيرة). وغوغول في رواية (النفوس الميتة) (1842)، وشخصية تشيتشيكوف المحتال الذكي الذي يريد أن يصبح غنياً خلال فترة وجيزة، مستغلاً ثغرةً في القانون. وشخصيات الإقطاع. ويتحدث إيخنباوم عن رأي الناقد بيلينسكي(1811-1848)في أدب غوغول.وبوريس توماشيفسكي (1890-1957) الذي أصدر كتاباً بعنوان (نظرية الأدب) (1925). وبعد مرور عامين أصدر كتاباً بعنوان (الكاتب والكتاب) (1928). ويوري تينيانوف(1894-1943) الذي درّس تاريخ الأدب الرّوسيِّ مدة أحد عشر عاماً ما بين1920و،1931 وأصدر عام 1929 كتاباً بعنوان (محافظون ومجددون). ورومان ياكبسون (1896-1982). وحضر اجتماعات الشكليين الروس فيكتور جيرمونسكي(1891-1971) الذي كتب في علم الأدب المقارن، وكتب رسالة الدكتوراه بعنوان (بايرون وبوشكين)عام،1924 وفينوغرادوف اللغوي المعروف.
وبعد انتصار ثورة أكتوبر الاشتراكيّة عام ،1917 كان لوناتشارسكي من أهم معارضيها، وهو أول وزير للتربية بعد الثورة، وتروتسكي، وبوخارين، وساكولين وغيرهم من معارضي الشكلانية، مما أدى إلى إنهاء هذه المدرسة وتفرق أعضائها بدءاً من عام1930.
وأصدر أعضاء (حلقة موسكو اللغويّة) ثلاث مجموعات من المقالات، عنوان المجموعة الأولى (دراسات في نظرية اللغة الشعرية)، وصدرت عام 1916. وصدرت المجموعة الثانية بالعنوان نفسه عام 1917. وصدرت المجموعة الثالثة عام ،1919 بتغيير بسيط على العنوان، فكان عنوانها (الشعرية: دراسات في نظرية اللغة الشعرية).
وأصدر أعضاء المدرسة الشكليّة الروسية مؤلفاتٍ فرديّةً، منها دراسة للناقد رومان ياكبسون (1896-1982) بعنوان (الشعر الروسيّ الحديث) (1921)، ودراسة للناقد يوري تينيانوف (1894-1943) بعنوان (مشكلة لغة الشعر) (1924)، ودراسة للناقد شكلوفسكي بعنوان (نظرية النثر) (1925). وترجمت بعض مؤلفات الشكليين الروس إلى أكثر من لغةٍ، منها اللغة الإنكليزيّة والفرنسيّة والألمانيّة.
فهمَ الشكليون الروس الأدب على أنّه فن، أداته اللغة، ومن ثَمَّ فهو ليس حقلاً للصراعات الفكريِّة. واهتموا بالشعر أكثر من اهتمامهم بالنثر، وكذلك أكثروا من اهتمامهم بالشاعر نفسه. كما اهتم رومان ياكبسون بالأدبيِّة، أيّ بخصائص الأدب، التي تجعله أدباً.
رأى فيكتور شكلوفسكي أنَّ لغة الأدب فيها بعض الغرابة، وتختلف عن اللغة البسيطة اليوميِّة التي يستخدمها الناس في حياتهم العادية، ومن هنا جاء مصطلحه وهو (التغريب). ونادت المدرسة الشكليّة الروسية باستقلال العمل الأدبيِّ، أيّ بعزله عن المؤلف وعن المؤثرات الخارجيِّة.والشكلية صفة أطلقها أعداء هذا الاتجاه، أما الشكليون الروس فلم يطلقوا على أنفسهم هذه الصفة.
رومان ياكبسون
مؤسس المدرسة الشكليّة الروسيّة
تمتد جذور البنيوية إلى المدرسة الشكليِّة الروسيِّة، ويعد العالم اللغويّ، الروسيّ الأصل، الأمريكيّ الجنسيّة، رومان ياكبسون (1896 – ،1982 أيّ عاش ستة وثمانين عاماً) أحد مؤسسيها، وقد ولد في موسكو، في أسرةٍ مثقفةٍ، وكتب بأربع لغاتٍ، وترك مؤلفاتٍ، تقع في ستة آلاف صفحةٍ، وكان صديقاً لشاعر الثورة الروسيّة فلاديمير ماياكوفسكي (1893- 1930). درس في موسكو إلى أنْ بلغ الرابعة والعشرين من عمره، أيّ إلى عام ،1920 أسس في موسكو عام 1915 (حلقة موسكو للألسنيّة)، التي استمر نشاطها مدة خمس سنوات، إذ توقف نشاطها عام ،1920 وكان بيت ياكبسون مقراً لاجتماعات أعضاء حلقة موسكو للألسنيّة. وبعد مرور عام على تأسيس حلقة موسكو، أيّ عام ،1916 تأسست في عاصمة روسيا آنذاك، أيّ في مدينة بطرسبرج، (جمعية دراسة اللغة الشعرية)، واستمر نشاطها أربع سنوات، إذ توقف عام ،1920 بسبب ظروف الحرب الأهليّة التي أعقبت الثورة الاشتراكيّة الأولى في العالم عام ،1917 وبسبب مضايقات النظام الجديد للشكليين الروس.
غادر رومان ياكبسون موسكو عام 1920 إلى براغ عاصمة تشيكوسلوفاكيا، حيث أمضى هناك تسعة عشر عاماً، ساهم مع المهاجرين الروس الآخرين في تأسيس حلقة براغ للعلوم اللسانيِّة عام ،1926 التي استمر نشاطها إلى بداية الحرب العالمية الثانية، أيّ إلى عام 1939. وعندما نشبت الحرب العالميّة الثانية عام ،1939 اضطر رومان ياكبسون إلى مغادرة براغ إلى الدانيمارك، وأقام هناك عامين، ثم هاجر عام 1941 إلى الولايات المتحدة الأمريكيِّة، وأمضى هناك واحداً وأربعين عاماً، أيّ إلى عام ،1982 إذ توفي في هذا العام في 18 تموز عن عمر يناهز السادسة والثمانين.
ودرّس رومان ياكبسون في الجامعات الأمريكيِّة(جامعة هارفارد) بدءاً من عام 1946 أيّ مباشرةً بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ويقول عنه ليونارد جاكسون في كتابه (بؤس البنيوية): (غير أنَّ ياكبسون كان بلا جدال واحداً من أبرز دعاة البنيوية، وأشدهم بأساً على الإطلاق. ليس لأنَّه كثيراً ما عبّر عن إيمانه بإمكاناتها الكبيرة وحسب،….. ومن غير ياكبسون، ما كان لليفي كلود شتراوس أنْ يصبح بنيوياً أبداً. ومن غير ليفي كلود شتراوس لعل الفرنسيين ما كانوا ليسمعوا بهذه الفكرة أبداً). (1).
يقول عنه الباحث السوريّ محمّد عزام في كتابه (الأسلوبيّة منهجاً نقدياً): (وهو رائد من روّاد المدرسة الشكلية في الدراسات اللسانيِّة الحديثة، التي رفضت أنْ يكون الأدب تصويراً لحياة الأدباء أو لبيئاتهم أو عصورهم، ورأت أنَّ الأدب هو أدب بما يتوفر فيه من خصائص تجعله أدباً) (2).
ويكتب عنه الدكتور عز الدين المناصرة: (لقد أصبحت جملة ياكبسون الشهيرة: (إنَّ موضوع العلم الأدبيِّ ليس الأدب، وإنَّما الأدبيّة)، التي كتبها عام 1921 دستوراً لمرحلة عالميِّةٍ مهمةٍ. فالأدبيّة (ليتراتورنوست)، تركّز على طبيعة الأدب، وتستنبط الوظائف من هذه الطبيعة، لا من خارج النص). (3)
كان منطلق الشكلية الروسيِّة هو أنَّ الناقد الأدبيّ يقوم بدراسة الآثار الأدبيّة نفسها، لا ظروفها الخارجيّة، التي أدت إلى إنتاجها، فالأدب نفسه هو موضوع علم الأدب، ومن ممثلي الشكليِّة الروسيِّة إيخنباوم (1886- 1959)، وفيكتور شكلوفسكي، ولكن الأخير أخذ يتراجع شيئاً فشيئاً، فرأى ضرورة معالجة قضايا أخرى، غير القضايا الفنيّة الجماليّة.
المصادر
1- ليونارد جاكسون، بؤس البنيوية، دمشق، وزارة الثقافة،2001، ترجمة ثائر ديب،
ص 115.
2 – محمد عزام، الأسلوبيّة – منهجاً نقديّاً، دمشق، وزارة الثقافة، ،1989 ص122.
3- الدكتور عز الدين المناصرة، علم التناص المقارن، عمان، جامعة فيلادلفيا، ،2006 ص26.