الكفاءات السورية ودورها بإعادة البناء

 كان عنوان الندوة الخامسة وقبل الأخيرة من الملتقى الحواري التفاعلي الاقتصادي لجمعية العلوم الاقتصادية ضمن احتفاليتها بالعيد الذهبي: (الكفاءات السورية ودورها بإعادة البناء).. وبعد أن تكلم الدكتور سنان علي ديب رئيس جمعية العلوم الاقتصادية-فرع اللاذقية عن تجربتي اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية، التي دمرتهما، وعلى الرغم من فقر اليابان بالثروات وتهديم ألمانيا إلا أنهما عادتا من أقوى البلدان اقتصادياً، وذلك بسبب الإرث الثقافي المعرفي الذي تكرس عن طريق السياسات السابقة التعليمية في ألمانيا، والثقافة التي كرسها الإمبراطور في اليابان، وهذا يدل على أن الإنسان المثقف المتعلم أهم عناصر التنمية وإعادة البناء. وسوريتنا ولّادة للكفاءات نتيجة العمق الحضاري الثقافي المتكرس، وهو ما يستدل عليه من خلال تأثير الكفاءات السورية على أغلب منجزات التنمية العالمية، فقد ذكر مؤخراً عن وجود أكثر من 30 ألف دكتور سوري في ألمانيا، وقبل ذلك3 آلاف طبيب سوري في فرنسا، وملايين يصنعون التنمية في الخليج ولبنان ومصر وغيرها.

ولكن في بلادنا عانت الكفاءات المهنية والتقنية من سوء استثمار، تجلى ذلك في سياسة تعيينات لا تعتمد أسساً ومعايير حقيقية، وإنما اعتبارات ضيقة تراعي مصالح البعض وخاصة في فترة العقد ما قبل الأزمة، بحيث أصبح القبول بالنهج المحيّد لدور الدولة هو أساس التعيين، وهذه التعيينات تفرض فرضاً على المؤسسات وهو ما كرس ونظم ومأسس الفساد وحرف أي محاولة للحل، وهو أيضاً ما حيّد الكفاءات ودفعها للهجرة وخدمة التنمية عند الآخرين، وهؤلاء كلفوا الدولة مئات الملايين وحرموا البلد من جهودهم، وفي هذه الظروف فإن سورية بحاجة إلى جهود الجميع للمحافظة عليها وإعادة البناء، وهذا يتطلب الاعتماد على نخب نظيفة ووطنية وغير مرتبطة بمشاريع خارجية، تضع خططاً مرحلية ومتوسطة ومستقبلية وفق قائمة احتياجات وأولويات يجب أن يكون الجانب الإنساني في أولها، ثم الجانب الإنتاجي وإصلاح القطاع العام. فمن دون تغيير العقلية الحالية، ومن دون التعيين على أساس الاحتياجات والكفاءات لا يمكن الوصول إلى الوضع الأفضل. أكيد أن الأمن أساسي للبدء، ولكن هذا لا يمنع من تلازم مساره مع الإصلاح الإداري والاقتصادي، وأي إصلاح لا يبدأ من التعليم والقضاء لا معنى له ولا يمكن أن يتحقق ذلك بلا فصل السلطات وتوزيع الصلاحيات وإعادة الروحية للمؤسسات، ويجب تشكيل قوائم جاهزة لخبرات وكفاءات تتصدى للمواقع المفصلية، وتكون هذه الشخصيات بعيدة عن الفساد والمفسدين وعوناً للمؤسسات لقيادة الحياة الاقتصادية وجذب الكفاءات من الخارج وترسيخ استمرار الكفاءات الحالية.

ملامح من النقاش

 تكلم الأستاذ عبد الرحمن تيشوري عن أهمية وزارة التنمية الإدارية والدور المنوط بها مستقبلاً للإصلاح الإداري، ووضع معايير للتعيين ولصنع قادة إداريين. ثم تكلم عن الأسباب الداخلية للأزمة والتي أدت لهجرة داخلية كبيرة والأزمة في الأمن الغذائي. وأكد أن مشروع قانون العاملين الموحد جرى إعداده وسيبصر النور قريباً، وأن سورية منجم للموارد البشرية سيعمل على الاستثمار الصحيح لها، وأن مشكلة سورية في التطبيق لا في التنظير، ويجب أن تتحول المؤسسات العلمية من التلقين إلى الفهم والتفكير. وأشار إلى ضرورة وضع الأوليات وأننا بحاجة إلى إصلاح كامل وخاصة في المجال الإداري، ويجب وضع قانون عصري للأحزاب ولجمعيات المجتمع المدني، وأنه يجب أن يعرف المواطن كيفية الحصول على حقه والنقد العلني للمسؤولين.

وتحدث الأستاذ عبد الرزاق الدرجي عن أن الحلقة الأساسية للكفاءات هي الأمان، والأولوية لمكافحة الإرهاب وإيجاد متوازية مع الإصلاح الإداري. وحمّل المسؤولية للنهج الاقتصادي الذي سار به الدردري وما زال مستمراً، وعدّه سبباً رئيسياً لما وصلنا إليه، مع عدم تغييب دور المؤامرة الكونية. وأشار كذلك إلى  الدور الهام الذي قامت به الدول الاشتراكية في إعداد الكوادر السورية، وأنه يجب الاتجاه شرقاً.

الباحث شادي حسن تكلم عن خطورة هجرة الكفاءات السورية والتكلفة العالية التي نخسرها باستنزافها، وعن دور الفساد في سوء استثمار الموارد البشرية، وعن ضرورة الإصلاح الإداري المترافق بدور للمجتمع الأهلي وللأحزاب، وذكر أن التخطيط فاشل مسبقاً عبر خطط خمسية لأشخاص يعجزون عن تفسير خطة سنوية.

وتكلم الأستاذ علي ريا عن عدم الخوف من الزمن، فسورية دولة حديثة ويجب تضافر الجهود لكل المؤسسات والأشخاص لإعادة البناء. بعده تكلم الأستاذ بسام الحسين حول أهمية موضوع الملكية الاقتصادية في سورية، وأن مشروع الدولة العصرية قد أثير من قبل كل المؤسسات. فردّ رئيس الجلسة: أي مؤسسات ونحن نسعى لعودة روحية المؤسسات بدل سيطرة أشخاص سلبت الدور المنوط بها.

المهندسة دينا إلياس تكلمت عن تعقيد المناهج الدراسية وأن المناهج الأقدم كانت أكثر فائدة وأكثر خدمة للبلد وبناء الكفاءات. واستطرد الأستاذ سليمان أمين عن سوء التعيينات وخاصة في المجال التربوي واستبعاد اختصاصات معينة عن إدارة المدارس وابتعاد المدارس عن الواقع السوري. وتكلم الأستاذ حكمت عن سوء الآلية الفاشلة التي تدار بها وزارة التربية، وأنه يجب اعتماد فكرة المجالس بدلاً من المديرين.وتكلم الأستاذ نديم شامدين حول مرتكزات العملية الإدارية من ثقافة وقانون واستراتيجية وتسويق، وفشل وزارة التنمية بهذه المرتكزات. وقانون العمل نظري غير قابل للعيش في ظل عقلية كهذه، وأن ليس المهم كبر موازنة الوزارات وإنما الأهم فعالية الاستثمار، وأن هجرة الكفاءات لا تتوقف من دون الأمان والأمل وتحسين المستوى المعاشي. وتكلم الأستاذ موسيس أبكاريان عن ضرورة الاستفادة من تجارب الدول الأخرى وأنه لا يمكن وضع علاج من دون التشخيص الصحيح، وأن موضوع الدولار والأسعار انعكسا سلباً على كل مناحي الحياة. وتكلم الأستاذ نهاد بدور عن ضرورة وجود قوى اجتماعية ضاغطة لفرض القوانين ومحاسبة المقصرين، ويكون ذلك بالتعاون مع قوة الدولة للسير الصحيح.

 وأخيراً ختم الدكتور سنان الجلسة بأن منظومة الفساد أهم أسباب ما وصلنا إليه وأنه يجب تكاتف الوطنيين الشرفاء في كل مكان، وإعادة الاعتبار للمؤسسات لتكريس دولة القانون ومواجهة حيتان الفساد الذين يستثمرون الأزمة ويبررون سوء سلوكهم من خلالها، وأن تغيير عقلية التعيينات من خلال الفرض من الأعلى وخاصة في المجالس المحلية ومجلس الشعب وحكومة تكنوقراط، وأن الديمقراطية في ظروف فوضى لا توصل سوى الفاسدين، وأن النموذج الديمقراطي المتدرج هو أسلم الطرق، فالغرب لم يتقدم من خلال الديمقراطية المشوهة وإنما من خلال الاستغلال وقطع التنمية، وما زال يحاول سلب أهم ثروة وهي الثروة البشرية.

العدد 1194 - 15/04/2026