تفاؤل وترقّـب للقاء نيـويـورك…الصمود السوري والتلويح الروسي بالقوة يفتحان الآفاق
في زمن تطغى فيه القوة وتنال من الحقوق وتهمش الحقائق، كان للعصا الغليظة التي لوّح بها بوتين مفعول السحر في تحريك ملف الأزمة السوري باتجاه ردع الإرهاب التكفيري، ووضع الحل السياسي في إطاره الواقعي الوحيد.
كلمة السر هنا ليست المساعدة العسكرية التي تقدمها روسيا للجيش السوري الذي قال عنه لافروف: (القوة الأبرز في مكافحة الإرهاب على الأرض)، بل استعداد روسيا للمشاركة الفعلية في ردع (داعش والنصرة) وحلفائهما في سورية، بعيداً عن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي يردع الإرهاب (على طريقته)!
السلوك الروسي المتحفز لم يُثر إلا استغراب (الصغار) واستنكارهم، أما الولايات المتحدة وأوربا وحلفاؤهم الأتراك والخليجيون فأدركوا أن استخدام قوتهم العسكرية والمالية واللوجستية لدعم غزو الإرهابيين للأرض السورية لا يمكن أن يستمر إلى الأبد.. فالقوة هنا واجهها الشعب السوري وجيشه الوطني بالقوة، وإنهاء مأساة الشعب السوري، وطرد الإرهابيين عبر الحل السياسي، هذا المسعى الذي قادته روسيا وعرقلته الإدارة الأمريكية احتاج إلى قوة مؤثرة، القوة هنا من أجل إنهاء الأزمة السورية، والقوة الأمريكية لتصعيدها، ومواصلة السعي لتهديد الدولة السورية وتفتيت مكوناتها واستنزاف قدراتها العسكرية والاقتصادية، واستمرار نزيف الدم السوري.
الرد الأمريكي على روسيا اتخذ طابع الهدوء والمناورة في آن، فالناطق باسم البنتاغون رحب بمباحثات روسية – أمريكية حول مواجهة الإرهاب في سورية، والوزير كيري في ختام مباحثاته مع نظيره البريطاني شدد على أهمية الاستئناف العاجل لجهود البحث عن تسوية سياسية في سورية، داعياً روسيا وإيران إلى المساعدة في مشاركة الرئيس السوري في المفاوضات بشأن هذه التسوية، موضحاً أن رحيل الأسد ليس بالضرورة أن يكون فورياً!
البعض اعتبر تصريحات كيري (تراجعاً)، والبعض الآخر عدها احتواء للتصعيد الروسي.. أما نحن فلا نراها إلا استمراراً للسلوك الأمريكي المناور، مادامت الإدارة الأمريكية ماضية في تشجيع الإرهاب والغزو، ومادامت (حنفيات) حلفائها الخليجيين تصبّ في ترسانات ومعسكرات التدريب التابعة لداعش والنصرة وجميع المنظمات الإرهابية والمتطرفة الأخرى.
هل نحن اليوم في الوقت (المستقطع) من الحرب الإرهابية ضد سورية؟ لن نذهب بتفاؤلنا إلى هذه الدرجة، لكن المجتمع الدولي متحفز الآن أكثر من أي وقت مضى لإيجاد تسوية سياسية للأزمة السورية، على قاعدة مكافحة الإرهاب التكفيري، ويعلق آمالاً على اللقاء المتوقع في نيويورك بين بوتين وأوباما نهاية أيلول الجاري.
الشعب السوري وجيشه الوطني صامدون في مواجهة الإرهاب، وطائرات سلاح الجو السوري دكّت مواقع الإرهابيين في الرقة وريف حلب، وأفشلت القوات المسلحة خطة الإرهابيين لفتح ثغرة في ريف دمشق، في حين أمطرت مدافع التكفيريين مدن دمشق وحلب بقذائفها التي أسفرت عن استشهاد العديد من المواطنين وجرح آخرين.
جماهير الشعب السوري تدفع غالياً من أجل الحفاظ على كيان دولتها وحرمة أرضها ورسم مستقبلها الآتي الذي يلبي طموحها القديم- الجديد إلى المجتمع الديمقراطي.. المدني.. العلماني الذي يطلق قدراتها التي تصنع المعجزات، ولا نرى مبرراً منطقياً لما تشهده البلاد من ارتفاع مستمر في أسعار المواد الأساسية للمواطنين! كما لا نرى مبرراً لموقف الحكومة المتفرج على المضاربين واللاعبين في الأسواق البيضاء والسوداء، مما يرفع إلى حد غير مسبوق معاناة هذه الجماهير التي تضحي بأولادها وبدمائها في معركة سورية ضد الغزو الإرهابي.
لا يجوز اللجوء إلى الحلول السهلة وزيادة إيرادات الخزينة من جيوب الفئات الفقيرة والمتوسطة عبر رفع أسعار المواد الأساسية كالمشتقات النفطية والخبز تحت شعار (عقلنة) الدعم! لأن قدرات هذه الفئات مرتبطة بالأجر، والمدخول الصغير الذي أصبح قزماً أمام ارتفاع الأسعار.
إن دعم هذه الفئات الشعبية التي تشكل عماد القوات المسلحة هو العقل بعينه، لأننا بذلك نصلّب المواجهة مع الإرهاب من جهة، ونفتح الآفاق، من جهة ثانية، لإنهاء أزمة الوطن.