الإبداع والتوغل في العوالم الداخلية للشخصيات

قراءة في رواية «المفتاح» للياباني ج. تانيزاكي

تزداد أهمية النص الروائي والقصص عموماً بقدر رصده لجوانب الحدث الخفية، أو المسكوت عنها، وبقدر تقديمه لشخصيات واقعية حية، نجد في تصرفاتها وردود أفعالها جوانب من شخصية الكاتب، أو من شخصيتنا. وتصبح مهمة المبدع أعقد حين ينجح في التوغل إلى عوالم الشخصيات، ويرينا ما يعتمل داخلها من تقلبات وتناقضات وانعكاسات لمحيط متحرك متسارع التغير، وقد قصّرنا في ترجمة الأعمال الإبداعية لمنطقة الشرق الأوسط الآسيوي، (الصين واليابان وإندونبسيا) وجرت ترجمة أعمال قليلة عن لغة ثالثة، وهذا أمر يحتاج إلى تدارك ومعالجة.

جونيشيرو تانيزاكي روائي ياباني معروف، ولد في طوكيو عام ،1886 ثم غادرها إلى منطقة كيوتو  أوساكا عام 1923 بسبب زلزال ضرب المدينة. وبدأت أعماله الروائية تلقى رواجاً منذ عام 1930. وقد نشر اثنتي عشرة رواية، ومنح جائزة الإمبراطورية اليابانية الأدبية عام ،1949 وكرم بنشر أعماله الكاملة.

روايته (المفتاح) ومفكرة رجل عجوز مجنون) ترجمها عن الإنكليزية خالد الجبيلي، وصدرت عن دار كنعان عام ،2010 تحاول التوغل إلى المساحات الحميمية من النفس الإنسانية، بالاعتماد على أسلوب (المذكرات الشخصة)، وتسجيل أدق التفاصيل اليومية وبضمنها المضاجعة في السرير.

واكتشاف خفايا العلاقة بالآخر زوجاً كان أو ابناً أو صديقاً وما ينتاب هذه العلاقة من قوة أو برود، ومن ثبات أو تغير، ومن صدقية أو مكر.

(المفتاح) حكاية فك مغاليق صناديق البشر، عبر سرد أليف بطريقة المذكرات التي بدأ الزوج بكتابتها منذ سنوات، لكن الزوجة لم تحفل بما يكتبه، فأثار فضولها لمعرفة ما يكتبه منذ احتفالهما بالسنة الجديدة، ومنذ شعور كل من إيكوكو وزوجها بأن خللاً قد أصاب علاقتهما، وأن جسديهما قد اعتلا، فالزوج أصيب بارتفاع ضغط ومحول دفعاه لمراجعة الطبيب، وهي عادت إليها أعراض السل القديمة، وقد تعمّد الزوج نسيان مفتاح خزانته الشخصية كي يثير فضول الزوجة لقراءة مذكراته خلال وجوده اليومي خارج المنزل، واطلع الزوج على مذكرات زوجته بمساعدة ابنته توشيكو الشابة، أما صديق الزوج كيمورا فقد عشق إيكوكو،وكان الاثنان يلتقيان في فندق بأوساكا بعيداً عن الأعين في العطلة الأسبوعية.

تتظاهر الزوجة بأنها محافظة، ترتدي (الكيمونو) الرداء التقليدي الياباني، وتتمسك بالقيم اليابانية المتزمتة، ولكنها تظهر عصرية من حيث شرب البراندي، والتعري في الفراش، والاستجابة لمطالب الزوج الشبق، وترتدي الأقراط الغربية الطراز. ولم تكن تفعل ذلك أمام الزوج قبلاً.

اكتشف الزوج في 8 نيسان أن زوجته تبدو أبهى في زينتها الجديدة، وقدّر أن أحداً قد اكتشف هذه السمة الغريبة من جمالها التي لم يلحظها إلا متأخراً، وكتب في مذكراته: (يخيل لي أن الأزواج ليسوا شديدي الملاحظة، لأنهم ينظرون إلى زوجاتهم بطريقة ثابتة!) ص 84.

وتتناوب في مذكرات الزوجين اكتشافات كل منهما لجسد الآخر وتغيراته وعلله الداخلية، وأحلامه ورغباته، واكتشاف كل منهما أن الآخر يطلع على مذكرات شريكة خفية، لكن الزوجة أخفت الجانب الذي تحدثت فيه عن تفاصيل علاقتها بكيمورا عن أعين الزوج وعن أعين ابنتها، وجاء انهيار الزوج إثر شلل نصفي أصابه بعد مضاجعة عنيفة حذره الطبيب من تبعاتها على صحته، ليقطع متابعته لمذكرات الزوجة، وقد صارحها أخيراً بأنه يرغب في الاطلاع على الصفحات المخفية.

وبحسب مذكرات الزوجة التي حرصت على مواصلة كتابتها يومياً بعد وفاة الزوج في 2 أيار، فإن نظرات الزوج في أيامه الأخيرة المتشككة، وابتسامته الباهتة، أظهرت هشاشتها وعريها الروحي، كما أن مراجعة الأحداث كشفت لها المشاعر المتناقضة لابنتها توشيكو: فالشابة تحب وتكره وتغار وتخطط لمستقبلها بطريقة نفعية، فهي تقدم خدمة لأبيها بإطلاعه على مذكرات أمها المخفية، لكنها لم تكن على علاقة طيبة معه، وغادرت لتسكن وحدها في مدينة أخرى، وهي تجذب كيمورا إليها عبر إيقاعه في علاقة خفية مع أمها، والتظاهر بتجاهل ذلك، في وقت كانت تؤسس فيه لحياة زوجية مع عشيق أمها.

الأربعة عالقون في شبكة تناقضات عديدة تتحكم بالحياة الاجتماعية اليابانية المعاصرة: القيم المتزمتة الموروثة، والعلاقات المدنية المقلدة للحياة الغربية، التي تحاول التجاوز والقطع مع القديم المتهالك، لكنها تقع في التشوهات التي أصابت المدنية الغربية الغربية، وهناك أيضاً الواقع الرتيب لحياة الزوجين، الذي افقد علاقتهما بريقها، وجعل بعض الرغبات يختفي، ويضاف إلى كل ذلك التناقض بين ما يردد الزوجان من عبارات مكرورة لا دفء فيها ولا معنى، وبين ما تبوح به الزوجة في مذكراتها أو ما ترويه عن اللحظات الحميمة مع كيمورا من أوجاع ومتع لا يتاح التصريح بها أو إقرار مشروعيتها.

كتبت الزوجة في مذكراتها: (بمقارنة ما كتبناه ينبغي أن أتمكن من معرفة كيف أحب أحدنا الآخر، وكيف كان أحدنا يشعر تجاه الآخر، وكيف خدع أحدنا الآخر، ونصب له الأشراك، حتى تحطم أحدنا). ص 129. والشعور بالخديعة يحطم الجسد والروح معاً، ويضع المخدوع أمام عبثية وجوده، ويشعره بدونية ثقيلة الوطأة، كما أن التواطؤ يمكن أن يؤدي إلى إفساد الإنسان حين يعجز عن التواصل مع من هم موضع ثقته، ومن يصدقونه الرأي. فقد تظاهرت إيكوكو بالمرض حين شارف الزوج المشلول على الموت، وكتبت في مذكراتها : (كانت كلها أكاذيب محضة، فقد كنت أحاول أن أغويه إلى ظل الموت، وكنت أريده أن يظن أنني أقامر بحياتي، وأن عليه أن يجازف بحياته). ص 139.

سرد الزوج في أول يوم من السنة الجديدة حجته في التطرق إلى الجانب الجنسي في مذكراته، ولم يكن قد تناوله من قبل، فقال: (إن الشيء الذي جعلني أرغب في أن أكتب عن هذه الأمور هو تكتمها الشديد و(طهارتها) و(أنوثتها)، وما يدعى بالحشمة التي تجعلها تخجل من مناقشة أي موضوع ذي حميمية معي، فبعد أكثر من عشرين سنة على زواجنا لا تزال ترفض أن تفعل شيئاً أكثر من ممارسة ذلك العمل بصمت، هل هذا زواج حقيقي؟ إن تدوين الأشياء التي أتذمر منها في بداية السنة الجديدة يبدو أمراَ وضيعاً من جانبي، لكني أظن أن أفضل شيء أفعله هو أن أدونها). ص 9-11.

التقط تانيزاكي ببراعة مرحلة انعطافية في الحياة الزوجية، يغيب فيها التناغم العاطفي والنفسي والجنسي، ويحل محله برود ورتابة وغموض وشك، وحتى احتفال ليلة رأس السنة الجديدة  يتحول إلى طقس باهت لا جديد فيه، وعندئذ تغدو الحياة الأسرية كلها  وليس حياة الزوجين، موضع تهديد، وتصبح عبئاً ثقيلاً بدلاً من كونها حديقة بهيجة، وضمانة توازن ودعم. ويبدو التلصص وسيلة لمعرفة حقيقة المشاعر والنوايا، ودون أي وازع لحرمة الشخصي، أو للقيم التي تعارف المجتمع على احترامها.

وتناسي (المفتاح) من جانب الزوج كان شكلاً من أشكال تشجيع الزوجة على القيام بالتلصص على مذكرات زوجها، وهي التي ظلت ترفض إبداء أي اهتمام بما يكتب، أو استئذانه للاطلاع على جانب من مذكراته.

وأهمية الرواية أنها تشير إلى مقدمات اللحظات الانعطافية في الأسرة وفي المجتمع، وتلفت إلى عصر متسارع ومتغير وشديد التناقض، تتقدم فيه التقنيات ووسائل المعرفة، وتتدفق المعلومات.

لكن الغموض والبلادة والهشاشة ترافق هذا التقدم، ونلمح مظاهر الانفتاح والتحرر وتقليد ما هو جديد في الأزياء والزينات ومواكبة العصر، ونرى بموازاتها أشكالاً من التزمت والمحافظة والعصبيات القديمة أو المستحدثة تصدم المشاعر الإنسانية الحية.

ومقولة الرواية أن التكتم والتلصص لا يفضيان إلى إصلاح الاختلال، وأن المخادعة والمكر سيضعان مرتكبهما أمام نتائج أفعاله، فقد اكتشفت الزوجة أن ابنتها كانت وسيطاً بين أمها وبين كيمورا، وأنها فوجئت بعد وفاة زوجها بأن الشابة توشيكو كانت تخطط للزواج بكيمورا، وأن الابنة صارحت أمها بأنها تستطيع العيش معها تحت سقف واحد، وما دام الأهل لا يستطيعون خداع أطفالهم فكيف يمكنهم أن يخدعوا الكبار.

رواية (المفتاح) استخدمت لغة سهلة، وبنيت على تداعيات أشبه بالاعترافات، التي يرمي صاحبها أن يتخفف من عبء ثقيل، وهي إشارة لأجيال الشباب، وللأسر التي تمر بلحظات انعطافية كي تستوضح حقائق الشريك ومشاعره، وكي تغادر الازدواجية والغموض وإخفاء المشكلات، لأن الأسرة نواة أسرة كبيرة هي المجتمع، وما ينتابها من تشوه يمكن أن تطول آثاره دائرة واسعة.

العدد 1194 - 15/04/2026