رحلة الخروج عن المألوف: ريم الخطيب… والمعرض الفكرة المتكاملة

أول معرض للفنانة ريم الخطيب، أقامته في حديقة عامة – حديقة أبي العلاء المعري بدمشق- وأقامت معرضها الثاني في مقهى النوفرة خلف الجامع الأموي، وثالث معارضها، أقامته على خشبة مسرح فندق الشام، و..الرابع في محطة الحجاز، وحين اختيارها الأماكن البديلة، أي بعيداً عن صالات العرض المتعارف عليها، كأنه شيء ما يشبه رمي حجر في المياه الراكدة، وأقرب إلى المغامرة- على الأقل خلال تلك الأزمنة التي أقامت خلالها الخطيب معارضها منذ ما ينوف على خمسة عشر عاماً –  وإن كان لريم مبرراتها غير ذلك، فقد ذكرت لي: المعرض التشكيلي عندي ليس تجميعاً لمرحلة أنجزتها، بل أعتبر المعرض فكرة متكاملة (توقيت العرض، ومكانه، و..تعليق اللوحة) ووفر لها العرض خارج الصالة نجاحاً لافتاً، لأنها في هذه الأمكنة عرضت لوحاتها بعيداً عن (مزاج) صاحب الصالة، وأوصلت فكرتها كما تشتهي، فهي في كل ما قدمت كان تتجه بالعمل التشكيلي لأن يكون فكرياً بالدرجة الأولى، ومن هنا كانت أن أخذت بفكرتها – لوحتها إلى المتلقي الذي لا يزور معارض الفنون الجميلة بالعادة.

 وكان أن وسعت من (قراء) لوحتها، فالذين يرتادون المعرض الفني، هم أنفسهم من يرتاد العروض المسرحية والسينمائية، ويحضر الحفلات الموسيقية إلى آخر النشاطات الثقافية، وغالباً لهؤلاء رأي متشابه في كل ما يتلقونه، وعندما تعرض في الشارع، والأماكن الأكثر قرباً من الناس، فإنك تحصل على انطباعات مختلفة، و..ربما أكثر صدقاً، وفي لوحاتها التي مالت صوب الحجوم الكبيرة، كان أن حضر كل من الشاعرين نزار قباني، ومحمد الماغوط، تارة كاحتفاء وإشارة إلى استمرارية هذين الشاعرين، إضافة إلى أهداف تشكيلية كثيرة تحصل في تشابك القصيدة واللوحة الفنية، في رحلتها للبحث عن المغاير، واللامعتاد.

 

الخروج عن السرب

كان لريم العديد من المحاولات في الخروج عن السرب رغم أنها من الفنانات المقلات في الإنتاج، لكنها في كل مرة كانت تحاول الإضافة مهما بدت هذه الإضافة بسيطة، مؤخراً ذهبت الفنانة الخطيب صوب فن التجهيز، أو التركيب، وذلك ضمن مشروع الفنون المعاصرة الذي تشتغل عليه منذ أكثر من سنة، وخلاله تشارك ريم طلاب مركز أدهم إسماعيل الذي تديره منذ مدة، أو تشارك الأساتذة والطلاب معاً، أو تشرك فنانين من خارج المركز، أو قد تشارك كل هؤلاء في لعبة فنية، تقوم على رحلة طويلة مع الأسئلة، ومن الأسئلة – تذكر ريم الخطيب-  إنشاء مشروع فني تجريبي ضمن المؤسسة الرسمية بعيداً عن سوق الفن ومسألة الربح والخسارة، وضمن حراك يأخذ طابع البناء والاستمرارية، وفتح مساحة للفنانين من كل الاتجاهات للتجريب، من هنا لمَ لا نجرب بدل الاستكانة للمعرض التقليدي، فكان  اتجاهها لإقامة علاقات حميمة مع الأشياء المحيطة بنا، أو الأشياء التي في طريقها إلى سلة المهملات، لإعادة (تدويرها) واستثمار ذواكرها، وطاقاتها الكامنة، وخلق أعمال تشكيلية جديدة منها، في محاولة للجم الخيال، أو التخييل العربي المغرق بالماورائيات، وللانتباه لبعض الوقت إلى ما يحيط بنا من أشياء، فالعربي يستطيع لساعات أن يهتف، ويتغنى بالحرية، بكل ما أوتي من ميتافيزيقيا، على سبيل المثال، ، لكن عندما تطلب منه أن يتحدث عن الكرسي التي تنوء بثقله طول الوقت، يقف عاجزاً ومقيداً عن التعبير، ومن هنا كان المعرض التركيبي بالاشتراك مع عدد من الفنانين الآخرين، في المتحف الحربي سابقاً (التكية السليمانية) وقد اختار له الفنانون اسم (النهاية) الذي كانت حوامله من القوارير الفارغة، والمعرض اللافت (عالم من تنك) وليس آخرها معرض (يوميات في علبة كبريت) وتكمن أهمية هذه الورشة من مشاركة الأساتذة مع الطلاب كخطوة لتحفيز الجميع- طلاب وفنانين- على تقديم الجديد ضمن مواضيع وخامات جديدة، ففي هذه التجربة كان ل (الأشياء)، دورها في تطويع الأفكار والمواضيع الذاتية ضمن شكل وحجم محدد، وهو اختبار حقيقي للمشترك وقدرته على الاختزال الفني، أو التأمل والتوسع، اعتماداً على المشاهدات اليومية والحياتية، على خلق نوع من الحوار، ومن ثم لم يكن هناك فرق في العرض بين الطلاب والأساتذة، فالحضور كان للفكرة الأهم.

العدد 1194 - 15/04/2026