الترشيد والتخفيف من الهدر الكهربائي مسؤولية مشتركة تقع على مختلف القطاعات

أعار انتباهي أثناء  تصفحي لأحد المواقع الإخبارية خبر مفاده أن هدر الكهرباء في سورية يُكلف ما لا يقل عن مليارَيْ دولار سنوياً، ويعدّ من أعلى النسب في العالم. بالطبع هذا الرقم تتحمل الحكومة وزره بالكامل، وخاصة وزارة الكهرباء، لأنها المسؤولة عن توعية المواطن بالدرجة الأولى. كما أنها أطلقت سابقاً وحالياً الكثير من الشعارات عن ترشيد استهلاك الطاقة الكهربائية، ولم نر شيئاً يلامس الواقع والتطبيق، سواء على صعيد المؤسسات الحكومية نفسها التي انتشرت فيها السخانات الكهربائية، إضافة إلى القطاع السكني والتجاري الذي لم يغير من عاداته الاستهلاكية شيئاً يذكر. وعندما تسأل المواطن عن الفرق في عاداته الاستهلاكية بالنسبة للكهرباء خلال هذا العام عن العام الماضي أو الذي قبله، يجيبك أنه لم يغير شيئاً من طقوس استخدامه للكهرباء. مما يجعل من جميع الخطط الحكومية الخاصة بترشيد والتخفيف من الهدر الكهربائي تقع في خانة الفشل، إذ إنها لم تعمل على الأرض، بل عملت في ظل شعاراتها فقط

وبالطبع لا ينطبق الأمر فقط على القطاع السكني، بل الأكثر غرابة ما نجده في المؤسسات الحكومية. فحينما تدخل مؤسسة حكومية، تجد المكيف يعمل والمروحة تعمل في آن معاً، إضافة إلى الإنارة التي تعمل في وضح النهار دون الاهتمام بأن التصرف بالطاقة الكهربائية دون ترشيد هو هدر لإمكانات وطاقات الحكومة وللخزينة العامة.. إذاً فالمصاب جلل، لذا النتيجة تقول بأننا نحتاج إلى حملة توعية كبيرة على كل الصعد للتقليل من نسب الهدر ولترشيد الطاقة، إذ إن رقم مليارَيْ دولار سنوياً يعني أن الخزينة العامة خسرت هذا الرقم الضخم الذي يمكن تحويله إلى الخزينة العامة أو إلى مشاريع ذات مردود اقتصادي واجتماعي. وذكر الموقع أيضاً أن استثمار الفاقد لمدة عام واحد يكفي لإعادة هيكلة قطاع الطاقة الكهربائية في سورية وتطويره والخروج من أزمة الحاجة إلى الطاقة. مما يدل على أن الهدر كبير جداً.

وعندما نتكلم عن الكهرباء، فلهذه القضية شجون وهموم يتشارك بها كلا الجانبين (الحكومة والمواطن)، فالحكومة تملك مبررات جاهزة ومطبوخة، والمواطن لا يملك سوى أن يُسّلم بهذه التصريحات والحجج المزمنة.. فالتقنين بين الحين والآخر نجده يتأرجح ما بين الزيادة والنقصان، ولكن كان آخره هو زيادة في الساعات نتيجة تعثر تأمين الوقود لمحطات التوليد الكهربائي وفق تصريح وزير الكهرباء المهندس عماد خميس. وقد أكد أيضاً أن هذه الزيادة في ساعات التقنين ستكون مرحلية أي مؤقتة. بالطبع التقنين الكهربائي أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، وفي حال غاب التقنين يوماً عن حياتنا نتخوف ونتساءل ونستغرب لنصل إلى نتيجة مفادها أن وزارة الكهرباء عبر الحكومات المتعاقبة زرعت في المواطن السوري نظام التقنين الكهربائي الذي يتسم بعدم احترام المواعيد وعدم دقته.

إننا لا نود إلقاء اللوم والتهم، ولكننا نقول بأن هدر الكهرباء يكلف أرقاماً خيالية تذهب هدراً على الدولة وعلى المواطن معاً. ولذلك نضع هذه الأرقام في ذمة وزارة الكهرباء التي يجب أن تتحرك للتقليل من الهدر الكهربائي أو ما يسمى بالفاقد الفني أو التجاري قدر الإمكان، والعمل بجدية على أرض الواقع وعلى مختلف الصعد والمجالات. فالمؤسسات الحكومية تستهلك ما لا يقل عن 2% من مجموع الاستهلاك الكهربائي في القطر وفق بعض الخبراء، وبالطبع هذه النسبة ليست بقليلة، بل تعني مليارات الليرات السورية فكيف بالقطاع المنزلي؟ ونحن لن نسأل عن مشاريع الطاقة المتجددة التي هي الأقل هدراً من حيث توليد الطاقة واستخدامها، لأننا نعلم الظروف الحالية التي تمر على وطننا الغالي، ولا يخفى على أحد أن مشاريع الطاقة المتجددة تحتاج إلى رساميل ضخمة وإلى نفقات مرتفعة لا تستطيع الحكومة تغطيتها بمفردها، فهي تحتاج إلى شراكة مع القطاع الخاص، والقطاع الخاص حالياً لا يستثمر أمواله في أي مجال، لأنه رأسمال جبان.

إن ما يهمنا هو التقليل من نسبة الهدر، ولذلك فنحن نسأل: كيف؟ ووزارة الكهرباء بل الحكومة تعلم كيف، ولكن نذكّر فلعلّ الذكرى تنفع.

نسبة الهدر وفق المصادر الرسمية تتراوح ما بين 10% و70 %، وهي نسب مرتفعة، والتقليل منها لا تحمل مسؤوليته وزارة الكهرباء وحدها، بل مختلف القطاعات، سواء العامة أو الخاصة أو القطاع السكني. ففي البداية يجب البحث عن الفاقد في الشبكة على كل المستويات: 20 كيلوفولت أو 66 كيلوفولت، والعمل على زيادة شبكات التوزيع لتخفيف الفاقد، إذ إن الفاقد في الشبكة السورية يصل أحياناً إلى قيم مرتفعة جداً. وفي حال توفيرها يمكن التوقف عن تقنين الطاقة، لأن التقنين لا يصل إلى هذه النسب. كما يجب معالجة الفاقد على جميع المستويات، أي في شبكات التوتر المنخفض والمتوسط.

وعلينا أن لا ننسى أن الفاقد أحياناً ينجم عن تركيب محولات باستطاعات أكبر من الاستطاعة الحقيقية للعمل، وهذا ما يحدث في العديد من المنشآت الصناعية، أما إذا أتينا إلى الاستهلاك المنزلي الذي يمثل ما لا يقل عن 30%، وفق خبراء من إجمالي الطاقة الموزعة في القطر، ففي حال قام المواطن بترشيد استهلاك الطاقة في منزله وفي مؤسسته التي يعمل فيها، فسوف يساهم في تخفيض الطلب على الطاقة، وسوف ينعكس ذلك على برنامج التقنين. وهذا يتم أساساً باستخدام التجهيزات المرشدة للطاقة من اللمبات الموفرة للطاقة والبرادات الجيدة والمكيفات ذات الاستطاعة المتوسطة والصغيرة وترشيد الإنارة في الشوارع والساحات العامة واعتماد نظام تشغيل للإنارة العامة، وذلك بخفض الاستجرار بعد الساعة 11 مساء وإطفاء الخطوط خلال النهار وغيرها من الوسائل الممكن تطبيقها لترشيد الطاقة.

في مسألة الترشيد تتشابك الجهود وتتكامل، فوزارة الصناعة مسؤولة عن ترشيد الطاقة في المصانع والمنشآت الصناعية العامة والخاصة، وهي مسؤولة عن صناعة الكبول الكهربائية ذات الجودة العالية التي تحد من الهدر، كما أنها مسؤولة عمّا يدخل إلى القطر من أجهزة وتقنيات وآلات، بحيث تكون مرشدة وموفرة في استهلاكها للطاقة الكهربائية.. أما وزارة الاقتصاد فهي مسؤولة عن ترشيد الطاقة الكهربائية في مديرياتها ومؤسساتها وشركاتها.. أما وزارة الإسكان ووزارة الإدارة المحلية فهما مسؤولتان عن تطبيق الكود الحراري في الأبنية والمساكن، وكذلك الأمر بالنسبة لباقي الوزارات.. وبالطبع هذا كله يكون بالتنسيق بين جميع الجهات لا بالعمل بشكل عشوائي.

يذكر أن استهلاك الكهرباء في سورية نحو 46 مليار كيلوواط ساعي في عام 2010 ، وفي عام 2015 سيرتفع الرقم إلى حدود 60-63 مليار كليوواط ساعي، وفي عام 2020 سيرتفع إلى 80 مليار كيلوواط ساعي، ولكي نؤمن ذلك نحن بحاجة إلى استثمارات هائلة جداً لبناء محطات توليد الطاقة.

وكان الوزير خميس أوضح أن عدد مشتركي الطاقة الكهربائية في سورية وصل إلى نحو 5 ملايين و700 ألف مشترك، منها 4 ملايين ونصف مليون مشترك في القطاع المنزلي وحده، لافتاً إلى أن الإنتاج السنوي من الكهرباء وصل في سورية إلى نحو 50 مليار كيلوواط ساعي، يعتمد توليدها في الغالب على الوقود الأحفوري كالغاز والفيول.

وكانت وزارة الكهرباء كشفت عن خطة في شهر آذار الماضي، إلى أن تخفيض الفاقد الكهربائي في سورية إلى نسبة تقارب 15% يحتاج إلى مدة زمنية لا تقل عن 5 سنوات، موضحة أن معالجة الفاقد ليس مسؤولية الوزارة وحدها، بل تقع على جميع الجهات العامة أيضاً.

العدد 1194 - 15/04/2026