العدالة المفقودة.. والآمال المعقودة
كان للانقلاب الاقتصادي بأسلوب الصدمة الوقع المهشم والمدمر للبنى السورية، عن طريق تسكير منافذ إعادة التوزيع الحكومي للإيرادات الناجمة عن تطور تنموي كبير متراكم لقطاعات اقتصادية قطعت أشواطاً بالمعرفة والتقنية والتراكم الرأسمالي، أعطت مؤشرات اقتصادية قلما يصل إليها بلد وخاصة مما يسمى بلدان العالم الثالث.
وحتى لا يتناول أي كان تسميتنا لما حصل بالانقلاب، لابد من توضيح أن السير بنهج اقتصادي عكس الواقع وعكس مقتضياته، بسياسات هادفة مبطنة مدعية تقليد اقتصادات رائدة، يجب أن يكون حاجة ضرورية للبلد المعني لزيادة التنمية وتقويتها، فالانطلاق من مؤشرات اقتصادية محققة عدالة اجتماعية رسخت طبقة وسطى صلبة ومسيطرة مع هوامش لفقر مستطاع مكافحته لا يعني إلا مكافحة هذا الفقر وتوسيع نطاق التنمية عمودياً وأفقياً للوصول إلى توازنها واستمراريتها واستقلاليتها، وأي صدمة لا تحقق هذه الشروط التنموية تكون غاياتها أبعد ما تكون عن الوطنية فإما أن تكون مفروضة من قوى خارجية وهذا انتهاك للسيادة، أو تكون محابية للبعض على حساب الكل وهو اعتداء على أمن البلد واستقراره ، فأي نهج اقتصادي وطني يسلب المواطنين من عمال وفلاحين مكاسب تاريخية وصلوا إليها عبر سياسات وبرامج صرف لها مئات المليارات لتكون المؤشرات التنموية مميزة، من خلال ديون خارجية تكاد تكون معدومة، وفائض في ميزان المدفوعات، واحتياطي نقدي متميز، ودخول تتفوق على غيرها من أغلب بلدان المنطقة، مترافقة بأسعار تكاد تكون الأقل وعبر مؤسسات تعليمية منتشرة في الأرياف قبل المدن، وخدمات صحية مؤمنة من دون وجود مؤسسات تأمين ووظائف متاحة، ولو أدخلت طاقات إنتاجية لاستمرت نسبة البطالة لا تذكر بالمعدلات العالمية، وصرف صحي شمل أغلب مناطق الوطن ومياه صحية قلما قدمت لمواطني غيرنا من البلدان، وقطاع عام أصبح يسد الحاجات من الصناعات التحويلية والنسيجية والدوائية والبتروكيميائية، ومؤسسات تدخلية توصل السلع إلى المواطنين بأبخس الأسعار، سياسات جذّرت المواطن ببلده وبأرضه، ووصلنا إلى أمن غذائي فاض عن حاجاتنا، وصناعات سدت الكثير من احتياجات الاستيراد، وسياحة قلما تتكامل ظروفها لأي بلد من حيث الطبيعة والمناخ والآثار التاريخية والدينية، فتكاملت اللوحة الاقتصادية والخدمية بأبهى صورها، ثم جاء الانقلاب الظالم ليشوه الصورة ويخلخل المؤشرات وليظلم أغلب العباد، وليكون المدخل القادم لأبشع مؤامرة هجّرت الفلاحين من أراضيهم، ولتسلب المواطنين خدمات عدّلت وقومت سلوكهم، واختل مؤشر العدالة لقلة أفاضوا فساداً واستهزاءاً بالوطن والمواطن وتحولت الصلابة إلى هشاشة مترافقة بحرف أغلب البنى الفوقية عن مسارها، وجعلت المواطن الحالم هشّاً وغير مستقر ولا مستقل.
بدلاً من معالجة السكن العشوائي وفق أسلوب عادل مجمل يمنح المواطن والوطن مليارات الدولارات، طمع أصحاب الذوات بتلزيمها لشركات غربية طامحة ليس بالتعهد، وإنما بتدمير تنميتنا وأي تحسين لمعيشة إخوتنا في العشوائيات يضيع عليهم مليارات، ويثبط مشاريع القادمة الغرب الملزمة لقتل الروح والجسد السوري. اللعب بالعدالة الاجتماعية لم يكن خافياً، وكل الحجج، مثل عقلنة الدعم، وسحب الدعم، وإيصال الحق لأصحابه .. وهم يسيرون لتكريس تجاوز القوانين ولإضعاف دور المؤسسات ولجني الأموال التي يغلب عليها اللون الأسود من الفساد والرشا وأجور مشاريع قتل الوطن.
كسبوا معركة ولكن لم ولن يكسبوا الرهان إن جعلنا العدالة بوصلتنا، عبر نهج واقعي منطقي يعيد للمؤسسات دورها، ويعيد للعلاقات الاقتصادية قوتها عبر مصالح الدولة ومواطنيها ، ولا يمكن الوصول إلى هذا النهج من دون تحشيد الطاقات المبعثرة التائهة والمتوهة، الطاقات الحامية لمشروع الوطن التي وقفت في وجه العواصف ما اضطر أتباع الأنكلوسكسونية لقلب الطاولة وفرض رؤاهم بالنار والدم. فكلنا شاهد تدمير المعامل وتمرير القوانين وتأزيم الوضع ليس إلا من أجل إرضاء معلميهم ومؤسساتهم من بنك دولي ومنظمة تجارة وزعماء مؤتمر واشنطن الذين لم ولن يقبلوا أي بلد يسير بما يخدم مواطنيه، وإنما يجب، برأيهم، السير بالليبرالية القاتلة عبر (دعه يعمل دعه يمر) ولو كانت هذه السياسة تخل الموازين وتفيض الدماء. للأسف ما رأيناه ولمسناه إلى الأمد القريب هو محاباة لمن سفك الدماء ولمن وضع الخنجر بخاصرتنا وهذا لن يعيد إلى العدالة موازينها.
خسرت بلادنا نحو 300 مليار دولار مقترنة بتدمير نحو مليون ونصف مليون من البيوت، و3 آلاف مدرسة متضررة ومئات المشافي ومنها المتميزة على مستوى المنطقة، ومئات الآلاف من الشهداء، ونحو مليون معاق وأكثر من 4,5 ملايين لاجىء ونحو 7 ملايين نازح داخلي، وخسارة أكثر من 30 ألف منشأة حرفية ومتوسطة ومعمل كبير.
إن المصلحة العامة لأغلب الشعب الذي أصبح 90% منه تحت خط الفقر ونصفه معطل عن العمل لن تكون إلا بعودة دولة المؤسسات القائدة للعملية الاقتصادية والتنموية وفقاً لمعايير الحاجة والضرورة والإمكانات، وهذا رهن بعلاقات اقتصادية مع دول لها مصلحة بمواجهة الغزو البربري القاتل عبر تدعيم الجبهات الداخلية وعبر قرارات جريئة تعيد النظر بقرارات مؤلمة ظالمة خصخصت بخجل الكثير من القطاعات، وإن لم تخصخصها أفقدتها فاعليتها عبر منع التسعير الاداري أو رفع الأسعار، أو جعلها تابعة لسلع التجار، أو عبر بث الفساد في مؤسسات التعليم والصحة، وعبر اللعب بالأسعار وبالدولار.
إن الانقياد وراء غربان قبلوا أن يكونوا ادوات لأي مشروع خارجي وعدم البوح بما يجب فعله لن يعيد العدالة، وإن لم تعد فلا إمكانية للعودة القوية المأمولة لشعب لا ييأس ولا يخنع إن لم تتضافر جهود جميع الشرفاء، وإن لم تتضامن قوى الحق والقيم والأخلاق فشرّ الليبرالية الأمريكية سيحطم الجميع.
جمعية العلوم الاقتصادية