مزارعو التبغ في طرطوس… هموم ومتاعب وتساؤلات!
كثيرة هي الهموم والمنغصات اليومية والموسمية التي تحدثنا عنها على أكثر من صعيد في محافظة طرطوس، سواء فيما يتعلق بمعاناة الفلاح مع شجرة الزيتون أم معاناته مع شجرة التفاح.. ولا تقل المعاناة مع شجرة البرتقال عن سابقاتها، وصولاً إلى تذبذب الأسعار واحتكار بعض المواد والسلع ورفع سعرها أضعافاً مضاعفة (ولا أعني هنا المتة أبداً). وليس آخراً نوعية الرغيف وجودته والتلاعب بالوزن في جميع الأفران الخاصة (وأتحمّل مسؤولية كلامي).. طبعاً على الرغم من الوجود الخجول جداً لما يسمى حماية المستهلك أو الرقابة التموينية!
وكي لا نكرّر أنفسنا بطرح مشكلات كنّا قد طرحناها في أعداد سابقة بانتظار إيجاد حلول رادعة وسريعة لها من قبل المعنيين في المحافظة، سنتحدث في هذا العدد عن هموم مزارعي التبغ في المحافظة ومتاعبهم وتساؤلاتهم، على أمل ألاّ يطول انتظارهم في إيجاد الحلول للمعوّقات التي تعترضهم!
تعد زراعة التبغ في سورية زراعة استراتيجية بكل ما للكلمة من معنى، فهي تشغِّل أعداداً كبيرة من الفلاحين والمزارعين، وتساهم في تزويد المعامل الوطنية بأفضل أنواع التبغ، إذ تلبي جزءاً كبيراً من الطلب المحلي، كما أن قسماً منها يصدر إلى البلدان المجاورة. وقد أصاب هذه الزراعة الحيف والأذى، حالها كحال بقية الزراعات، نتيجة رفع أسعار المحروقات الذي انعكس انعكاساً سلبياً على الفلاح السوري بشكل عام.
وزراعة التبغ في سورية زراعة اقتصادية واجتماعية هامة، فهي المادة الأوّلية الرئيسية لصناعة التبغ، وبالتالي فهي تؤمن فرص عمل لعدد كبير من أبنائنا، مزارعين كانوا أم عمالاً زراعيين، أثناء عمليات التصنيع أو أثناء زراعته وتخديمه حتى قطافه. وهي تقدم دخلاً جيداً للخزينة، كما صرّح المدير العام في أكثر من مناسبة، ولكن للأسف فإن الفلاح يحصل على القليل من هذا الدخل!
يزرع بذار التبغ في كانون الثاني من كل عام، وتبدأ المرحلة الأولى بتسوية المساكب المخصصة للزراعة وتغطيتها بأطباق من النايلون لحمايتها من العوامل الجوية.
بعد مدة من الزمن وحينما تنتش البذور وتكبر الشتلات إلى حد كاف، تُقتلع وتُنقل إلى الأرض المخصصة دون أي أسمدة لتنمو الشتلات حتى يصل طولها إلى نحو المتر.
وفي شهر حزيران تأخذ الأوراق بالاصفرار، في إشارة لاكتمال نضجها، فتبدأ مرحلة القطاف، ويكون هذا بعد الإزهار مباشرة، إذ تقطع الشتلة من الأسفل دون اقتلاع جذورها التي ستنبت في الدورة المقبلة من العام.. وبعد اقتطاع الشتلات تقسم الواحدة منها إلى خمسة أو ستة أقسام صغيرة تبعاً لطولها، ثم تبدأ عملية الشك أو الشكل، إذ تثلم الورقة طولانياً باستخدام المسلة وخيوط القنب التي يحدد طولها ليناسب المسافة الفاصلة بين السقالات الخشبية التي ستربط إليها. بعد ذلك توصل بما يسمى مساطح الدخان، فتمدد على الأرض وتندى بالماء ثم تقلب حتى تجف ويكتمل يباسها، ويستدل على هذا من خلال تحول لونها إلى الأحمر الفاتح، فتجمع الخيطان المشكوكة ضمن ما يعرف بالبالات، وتوضّب بشكل جيد بانتظار نقلها وتسليمها.
في منطقة الشيخ بدر التقينا عديداً من الفلاحين الذين يعتمدون على زراعة التبغ اعتماداً أساسياً، وقد تنوعت الآراء وتعددت الهموم. فقد تحدث السيد محمد حلوة قائلاً: أنا ممّن يعتمدون على زراعة التبغ في هذه المنطقة، وأقوم بزراعة نحو خمسة دونمات، ولكنني أعاني كبقية مزارعي التبغ عدة مشاكل تؤثر سلباً على الإنتاج، وأهمها الحالة النفسية للمزارع.. فمثلاً في العام قبل الماضي أصيب المحصول بالكامل نتيجة الظروف المناخية السيئة. وقد علمنا من عدة مصادر في المحافظة أن هناك لجاناً قد شُكلت للوقوف على حقيقة الضرر والخسائر ولتعوّض على الفلاحين المتضررين، نتيجة ذلك. ولكن كما يقال (لا حياة لمن تنادي). كنا نتمنى لو قامت اللجان المذكورة بزيارتنا والتعويض علينا ولو بنسبة ضئيلة تشعرنا أنهم يقدّرون كل حبة عرق يسقي بها الفلاح الأرض، ولكننا كما قلت ننتظر حتى الآن، مع أننا فقدنا الأمل بهم! الوحدات الإرشادية لا تقوم بأي عمل، لأن الريجي هي المسؤولة عن الإشراف على زراعة التبغ، ولكن دعني أقل لك أمراً هو أن خبراء الريجي قليلو الخبرة، فمثلاً عندما نعلمهم عن مرض معيّن يقولون لنا خذ هذا المبيد، وإن لم تستفد راجعنا لنغيره لك. وهكذا قد تدوم عملية التجريب أسابيع عديدة! المبيد غال والريجي لا تقدم لنا الدواء! أثناء عمليات التسويق علينا أن نرضي الخبير، وطبعاً الجميع يعلم كيف يرضى الخبير.. وأمر آخر لماذا يقوم الفلاح بتوضيب ما نسميه البالة وشحنها وتقديمها للخبير، في حين يوجد هناك عمال موظفون لأعمال كهذه!
السيد موسى (أبو همام) حدثنا عن الجهد الكبير الذي يبذله الفلاح قبل الزراعة وأثناء عمليات نقل الشتول من المشاتل إلى الأرض المخصصة. فالأرض تحتاج إلى الحراثة أربع مرات متتالية. طبعاً هذا لا تحتاج إليه بقية الأنواع من المزروعات، وكلنا يعلم ما تعنيه حراثة الأرض أربع مرات متتالية، إذ على الفلاح أن يدفع أضعافاً مضاعفة من أجل ذلك! إضافة إلى ذلك فإننا ولسنوات عديدة نحصل على السماد والمبيدات اللازمة (إن وجدت) لعمليات المكافحة في غير أوانها، وهذا يجبرنا أن نتعامل مع صيدليات القطاع الخاص. والجميع يعلم ما يترتب على ذلك من مبالغ زائدة نتيجة التلاعب بالأسعار وعدم وجود ضوابط. فضلاً عن أننا لا نعلم صلاحية المبيد ومصدره، وهناك العديد من الحالات التي دفعنا فيها مبالغ كبيرة ثمناً للمبيدات لكن دون أية فائدة تذكر.
وأود الحديث عن أمر آخر هو التلاعب بالدور أثناء عمليات الاستلام، وهذا يؤثر سلباً على نوعية التبغ، نتيجة العوامل الجوية، لأن التبغ حسّاس جداً! هناك فساد ورشاً أثناء عمليات الاستلام، نتمنى أن ننتهي منها بشكل نهائي.
أما بالنسبة للأسعار، فالدولة هي التي تسعّر الأصناف، وفي العام الماضي بعنا صنف الإكسترا ب 203 ليرات! في حين باعه للقطاع الخاص ب700 ليرة تقريباً. وهذا الفارق بين القطاع العام والخاص هو الذي يجبر الفلاح على بيع محصوله للقطاع الخاص. يوجد تلاعب أيضاً أثناء عمليات التصنيف من قبل الخبراء، فإن لم تدفع للخبير القائم على عملية التصنيف، فإنك لن تحصل على حقك، ولن ينال محصولك الدرجة التي يستحقها!
السيد محمد (أبو سليمان) حدثنا عن الأمراض التي تصيب شتلة التبغ، وعن المعاناة مع مؤسسة الريجي قائلاً: اسمح لي في البداية أن أسأل عن السبب الذي يجعل المبيدات متوفرة في القطاع الخاص وغير متوفرة في الريجي. والجميع يعلم أن ثقة الفلاح تكون حيث القطاع العام، سواء فيما يتعلق بالأسعار أو مدة الصلاحية. في الصيدليات الخاصة تجد كل الأنواع الدوائية تقريباً، في حين لا تجدها لدى المؤسسة، وهذا يطرح العديد من علامات الاستفهام! الأمراض تبدأ من المرحلة الأولى، وأعني عندما تكون الشتلة ضمن المسكبة. وهنا أشدّد على ضرورة تأمين المبيد أو الدواء اللازم في هذه المرحلة وبسرعة. في مرحلة الزراعة تتعرض الشتول لعدة أمراض، منها تقزّم الشتول، إذ تبقى الشتلة صغيرة، وهذا يؤثر على الإنتاج، خصوصاً أنهم حتى الآن لم يجدوا العلاج المناسب.. وهناك مرض آخر هو تبقع الورقة أو ما نسميه (الصدأ)، إضافة إلى مرض البياض الدقيقي. كل هذه الأمراض تستوجب تدخلاً سريعاً، وهذا لا يلحظ اهتمام المعنيين في الريجي. نحن نتعب وننتظر الموسم بفارغ الصبر، والمؤسسة رابحة باعتراف المدير العام، فلماذا لا يتم إنصاف الفلاح وزيادة حصته من الربح؟!
السيد علي تحدث بحرقة عن التعامل أثناء تسليم المحصول، فاللامبالاة والاستهتار سيد الموقف في هذه المرحلة. أحياناً يكون التبغ قاسياً، فيقوم العنصر الذي يستلم البالة بقذف الكمية، بعد أن تكون موضّبة بشكل جيد، مما يجعلها مبعثرة، وهذا ضرر وخسارة على الدولة. مراقب العمال مستهتر، ولهذا نجد العمال يتصرفون بهذه العقلية.
ومن ناحية أخرى فإننا نعاني في موضوع الأسمدة، وقد علمنا أنهم في هذا العام سيقدمون لنا نصف الكمية التي نحتاجها، وطبعاً هذا يجعلنا نلجأ للسوق السوداء، وستكون الأسعار كاوية كالعادة، وتتراكم مشاكل الفلاح. قد يلجأ البعض للسماد العضوي، ولكن سماد المداجن بصراحة سيئ على المحصول من حيث عمليات تخزينه.
السيد عقيل أحمد تحدث عن عدم تقييد المزارع بالتصريح عن الكمية التي يسلمها للدولة كما كان معمولاً به سابقاً، والمواطن حريص على تسليم إنتاجه للدولة، ولكن الفارق بين السعر الذي تدفعه الدولة والذي يدفعه القطاع الخاص كبير جداً، وهذا ما يدعو البعض لبيع قسم من محصوله للقطاع الخاص، كي يعوّض بعض النفقات. أتمنى أن تهتم المؤسسة بحال الفلاح أكثر، وتقدم له ما يحتاجه هذا المحصول الاستراتيجي، كي تحافظ على استمرارها أيضاً.
السيد إبراهيم، رئيس الجمعية الفلاحية في قرية بلاط تحدث قائلاً: لا يمكن حصر مشاكل التبغ بالسماد والمبيدات، فالدولة التي تسعّر أصناف التبغ لم تلحظ على ما يبدو ما يدفعه الفلاح، إضافة إلى أن الفارق في التسعير بين صنف وآخر كبير جداً، وهو سعر غير تشجيعي، مع أن عدداً كبيراً من الفلاحين يصرّون على تسليم المحصول للدولة. الدولة ضمانتنا وتبقى ضمانتنا، ولكن عليها أن تهتم بنا أكثر وتقدّر تعبنا أكثر.
هذا العام هو أول سنة نحصل فيها على سماد من المؤسسة، إذ قاموا بتوزيع كيس عيار30 وكيس سوبر وكيس بوتاس للدونم الواحد، وهي كمية كافية برأيي. إصابات التبغ تحصل قبل كسر التويج، ويجب تسليمنا الأدوية قبل هذه المدة، فمثلاً هذا العام توفر النحاس ومبيد فطري مع عدم توفر مبيدات سامة، علماً أن المؤسسة تسلمنا هذه المبيدات ديناً تستوفيه أثناء تسليم المحصول.
أخيراً: قامت مؤسسة التبغ بمضاعفة أسعار الدخان المصنّع محلياً عدة مرات حتى وصل إلى أكثر من 50 ليرة للعلبة الواحدة، مما ضاعف الربح لدى المؤسسة، فلماذا لا ينعكس ذلك على ما يتقاضاه الفلاح بما يتناسب مع تعبه وإنفاقه على محصوله حتى يستمر الفلاح في هذه الزراعة التي تعدّ من الزراعات الاستراتيجية في القطر.
الجدير ذكره أن زراعة التبغ في سورية تتركز في طرطوس واللاذقية وإدلب وحماة وحمص، وقد تكون هموم الفلاحين مشتركة في جميع هذه المحافظات!