ملح الأرض ونورها وترابها.. فقراء سورية زمن الحرب
مابين الموت والحياة هنالك حاجز يسمى الفقر، وعلى جوانبه كتب الشقاء والجوع والضنك على كل من ينتمي إلى ذاك العالم المجحف بالضرر، ومن قدّر له السير على طرقات ذلك الحاجز فسيحيا وقتئذٍ آلام الحياة بلباس الموت. هكذا حال الفقراء في كل أصقاع العالم فما يجمعهم هو ما يوحد آلامهم في مصارعة الحياة لتأمين الاحتياجات الضرورية كالغذاء والمأوى والدواء والدفء..
ولأن حبة القمح لا تنبت في الصخر، والطحلب لا يعيش في التراب، فكذلك الحال بالسوري الأصيل المتعشق برائحة التراب الممزوج بدماء الشهداء، ذلك السوري كحبة القمح تلك لا يحيا إلا هنا في سورية وعلى أرضها.. فهي في وجدانه كالجبل الشامخ المزروع بالسنديان والأرز، وإن تلوث الجو قليلاً برائحة البارود وأصوات القنابل والمدافع. ولكن حتى ذاك الخراب بات مألوفاً لمن عايش الحرب فطحنته خلال سنين خمس.. إنها دمشق.. فيها من المآذن والكنائس ما يكفي ليتنفس العالم كله حتى الأشرار منهم رائحة الجنان، وليعيشوا على وقع صباحاتها الوله، وهو ولهٌ خاصّ بعشاق سورية وحدها، لغة لا يفهمها إلا من عاش على هذه الأرض، عشق زمانيّ ومكاني وتاريخي وفلسفي يسأل ولا يجد إجابة. لعلها نفحات روحانية وضعت في أرواح قاطني هذه الأرض المباركة، تعويذة حميدة كي لا يبتعدوا عنها..
فقراء سورية زمن الحرب هم قبس من نور العالم بأجمعه.. هم ملح الأرض، وبلا ملح يفسد حتى البحر، هم بأجسادهم وأجساد أولادهم يشكلون مع دمائهم عناصر التراب بعد وفاتهم.
ولكنها الحرب المستعرة التي حولت وطنهم إلى بيت من نار وقودها أجسادهم السريعة الاشتعال، هم وحدهم من يدفع الثمن الأكبر، هم من صاغوا وأسسوا لمفهوم جديد للفقر، فالتهجير من بيوتهم، وقطع أرزاقهم، ومشاهد الدمار والقتل، والخراب المادي والروحي لمدينتهم ولنفوس من حولهم، إضافة إلى ارتفاع الأسعار إلى أضعاف ما كانت عليه، وحرمانهم من لقمة العيش وجعلها مجبولة بالصعاب والذل والطرق المسدودة اليها واحتكارها من قبل التجار وأثرياء الحروب.. وفي إحصائية جديدة تبين أن أكثر من نصف الشعب السوري بات فقيراً معدماً، إن لم نقل معظمه.. في الوقت الذي طفت فيه الثروات المسروقة على صفيح ساخن، وكانت تلك الثروات من جيوب الفقراء، وصرنا نشهد طائفة من الأغنياء يسمّون حديثي النعمة أو أغنياء الحروب وهؤلاء تسببوا في المزيد المزيد من أوجاع الفقراء وآلامهم..
ولكننا هنا باقون على صدور الأعداء الخارجيين ولن نبارح هذه الأرض حتى تسيل الدماء من جراح أرواحنا، نحن ملح هذه الأرض وترابها ونورها، نحن الفقراء السوريين جائعون تائهون مشردون مقتولون بحبّنا لوطننا، نحن ذاك النور الإلهي الذي يضيء لجيشنا عتم طرقاته، فهل هكذا يكون جزاؤنا؟ هل هكذا يكون الامتنان لوقفتنا وأنفسنا وأرواحنا وقولبة أجسادنا كي تصبح متاريس نتلقى فيها رصاص الحاقدين؟ هل هكذا يكون رد الجميل بجعل حياتنا تضاف إلى فصل من فصول الجحيم؟ أليس من الواجب الأخلاقي أن تلتفتوا ولو قليلاً إلى معاناتنا وتكفّوا أيادي المتسلطين السارقين للقمة أطفالنا؟
تطالبوننا بالكف عن انتقاد الفاسدين، فالوقت حرب ونحن في خضم معركة المصير! فهلّا طالبتم أولئك الفاسدين والمتسلطين بالكفّ ولو مؤقتاً عن نهب الشعب ريثما نربح معركة المصير؟؟ هكذا يتساءل الشرفاء الفقراء في سورية ولسان حالهم يقول: وللحلم السوري، بمجتمع ديمقراطي نزيه، بقية..