لٍحاف…
أهدتني أمي، يوم تزوجت، وكان شتاءً قارساً، لحافاً، كان أشبه بنقوط، وكان اللحاف عند أمي يُعدُّ نقوطاً معتبراً.
تضع أمي اللحاف في (اليوك) تقول وهي تمسّده وتربت عليه مثل طفل مدلل:
هذا لحاف ليس كأي لحاف، لحاف فيه رطلان من الصوف، صوف ليس من أي غنم، صوف من عواس قلموننا، كل غنمة ظهرها مثل العَكّة، صوف أبيض مثل (النُّفّجة)، لحاف يقتل البرد، لن تجد مثيلاً له في هذه الأيام (اللُّوقة)، نَجَّده أبوك بيده، حافِظْ الله يرضى عنك عليه جيداً، واعرفْ كيف تستعمله وكيف تطويه، اعرضْه دائماً للهواء والشمس، وإلا سيغزوه العث ويخرب.
فرِحنا أنا وزوجتي باللحاف وأحببناه لِما أعطانا من دفء وحنان، ورحنا نتشقلب عليه مثل زوج سعادين فرحَيْن ببعضهما، ومن فرط حبنا له، نسينا وصية الأم: الشمس والهواء … فكنا والعثَّ الذي غزاه وحوَّله إلى (شراطيط).
أيكون الوطن صغيراً مثل لحاف إلى هذا الحد؟ يشدّه كلٌّ منا صوبه!
لا.. لا.
الوطن لحاف كبير، كبيرٌ جداً، وبإمكانه أن يدفئنا ويغطينا جميعاً ويزيد.
ولكن نحن الذين لم نكن نعرف كيف نتعامل معه، وقد أصبحنا كما قنافذ آرثر شوبنهور : (قنافذ تقترب من بعضها لتشعر بالدفء ولاتشعر بالراحة إذا اشتدّ التصاقها، و مع ذلك فهي تعيسة في ابتعادها بعضها عن بعض….).
ماذنب الوطن وكلُّنا يحاول النوم في الوسط رغم أننا (شخاخون)؟
يتفتق البعض:
يجب أن يضحي بعضنا ويبرد، لينعم الآخرون بالحياة والدفء.
كونوا قدوتنا، وضحوا أنتم وابردوا لينعم الآخرون!
يقترح آخرون:
ليكن الوطن (سرير بروكروست)؟!
رغم أننا لاتنقصنا العاهات، لكن والحق يقال، الفكرة صائبة، صائبة مئة بالمئة، لولا المقترحون الذين لايمتازون بالطول الفاخر… والأقزام أيضاً.
….(نعيماً خرب اللحاف)!