التغيّر المناخي.. بين مطرقة ترامب وسندان المجمّع الصناعي
فادي إلياس نصار:
تسبّبت الكوارث الناجمة عن التغيّر المناخي في تهجير حوالي 43 مليون طفل في 44 دولة حول العالم، خلال ست سنوات الماضية، أي قرابة 20 ألف طفل يومياً، وفقاً لدراسة جديدة لليونيسف. هذا يدعوني كصحفي أؤمن بقوة الكلمة، أن أدعو كل سكان هذا الكوكب الأخضر الجميل، للاعتراف بأننا أمام تحدٍّ خطير، ألا وهو أزمة التغير المناخي والاحتباس الحراري، وهي قضية مصيرية مهمة يجب أخذها بالحسبان كأية قضية حياتية، لأنني أعتقد أن خطرها يوازي خطر الحروب الكونية.
فما هو التغير المناخي؟ وماهي تبعات السياسات الرأسمالية؟
الجريمة والعقاب!!
بدأت الأنشطة البشرية (إنتاج الطاقة، وسائل النقل، وسائل التدفئة، الصناعات الكيمائية والمعدنية، الكسارات، تطهير الأراضي وقطع الغابات …إلخ) منذ نهاية القرن التاسع عشر بلعب دور المحرك الرئيسي لتغيّر المناخ، عبر الغازات الدفيئة التي تطلقها. تأتي 77 في المئة من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري من بلدان مجموعة العشرين (G20)،
وتشمل الغازات الدفيئة الرئيسية التي تسبب تغير المناخ ثاني أكسيد الكربون والميثان.
وقد حدد العلماء المجال الآمن لمستوى ثاني أوكسيد الكربون في الجو بأنه يجب ألا يتجاوز 350 جزيئاً في المليون. لكن الخطورة اليوم تكمن في أنّ مستواه الحالي لا يقل عن 400 جزيء/مليون. ارتفع تركيز ثاني أكسيد الكربون (CO2) في الغلاف الجوي من 278 جزءاً في المليون في عام 1850 إلى 420 جزءاً في المليون في عام 2023، بزيادة قدرها 51 في المئة.
وتتجلى عواقب التغير المناخي في: الفيضانات، الزلازل، الجفاف الشديد، ندرة المياه، الحرائق الكبيرة، ارتفاع مستويات سطح البحر، ذوبان الجليد القطبي، العواصف الكارثية، إضافة إلى انقراض بعض الأنواع الحية.
وكل ما سبق يفضي إلى فشل المحاصيل الزراعية، هجرات من الريف إلى المراكز الحضرية، مجاعات، شح المواد الغذائية، تشريد ملايين البشر، وغالباً ما تكون دول العالم الفقيرة هي الضحية (يذهب 10% فقط من الأموال المخصصة لمكافحة تغير المناخ إلى أفقر دول العالم)، فهي بذلك توازي تبعات الحروب العالمية والأهلية.
ترامب.. إلى تكسير الكوكب سِرْ!
دعا برنامج الأمم المتحدة للبيئة في تقريره (فجوة التكيف لعام 2024) إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة تغير المناخ، محذراً من أن البلدان الفقيرة والنامية، تعاني بالفعل من تقلبات مناخية راديكالية وكوارث طبيعية. ولكن وبما أن كلام بيانات الأمم المتحدة كلها بالنسبة لـ(العم سام)، هي مجرد حشو ولغو، وليست مُلزمة لبلاده، فقد جاء رد الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب قاتماً وقاسياً، فقد شدد في أول خطاب له بعد الفوز، على استئناف منح التراخيص للتنقيب عن مصادر الطاقة التقليدية في عموم الأراضي الأمريكية. وتعد الولايات المتحدة الأمريكية أكبر منتج للنفط الخام في العالم بمتوسط يومي 13 مليون برميل، وهي أيضاً أكبر مستهلك له بمتوسط يومي 17 مليون برميل، وذلك وفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (حكومية). وغالبية إنتاجها من النفط الخفيف الحلو، بينما أكثر استهلاكها هو من النفط المتوسط الحامض، وهذا هو السبب في أنها تُصدّر رغم أنها مازالت تستورد.
وبحسب (ستاندرد آند بورز) فإن الولايات المتحدة الأمريكية تصدّر الكمية نفسها من النفط الخام والمنتجات المكررة وسوائل الغاز الطبيعي التي تنتجها المملكة العربية السعودية أو روسيا. ويعد إنتاج الولايات المتحدة – بقيادة شركات حفر النفط الصخري في تكساس وحوض بيرميان في نيو مكسيكو – قوياً للغاية لدرجة أنها تصدّر منه، وبحسب بيانات (ورلد سيتي) التي نشرتها مجلة (فوربس)، فإن صادرات النفط الأمريكية كانت في السنوات الخمس الأخيرة هي الأكبر من بين كل صادرات الولايات المتحدة.
النفط الصخري والتكسير الهيدروليكي؟
بحسب موقع (CNBC) فإن آلية (التكسير الهيدروليكي) التي اخترعتها شركة (هاليبرتون) الأمريكية عام 1947، تحتل مركزاً مهماً بين كل الاختراعات التي مرّت في تاريخ الطاقة.
وتستخدم كبرى شركات استخراج النفط العالمية، كشركة إكسون موبيل ExxonMobil)) آلية (التكسير الهيدروليكي) للحصول على (النفط الصخري) الذي يُعَرف بأنه نفط عادي يوجد كسائل داخل مسام الصخور شبه الصماء، التي لا تسمح له بالجريان. ولتسهيل هذا الجريان تعمل تلك الشركات على فتح مساماتٍ شعرية (شقوق) متصلة فيما بينها، تنتهي في فتحة بئر الإنتاج، فهم يعلمون أنه كلما توسعت تلك الشقوق في طبقات الصخر، ازدادت النفوذية، فيتحرر النفط السائل ويصب في البئر الذي يتحسّن إنتاجه.
وتحتاج عملية فتح تلك المسامات إلى ضخ كميات هائلة من السوائل تحت ضغط عالٍ جداً، فى التجاويف الجيولوجية، وتتألف تلك السوائل من الماء بنسبة 98% والرمال الغنية بالكوارتيز وبعض الأحماض الكيميائية بنسبة 2%، ونتيجة الضغط الهائل تخرج من الأرض بعض المركّبات، بما في ذلك الحجر الرملي الصّلد، الصخر الطيني وطبقات من الفحم، مختلطة بالنفط الطبيعي ومشتقاته، تلك العملية تسمى (التكسير الهيدروليكي) (fracking)، والجدير ذكره هنا أنه لتنفيذ هذه العملية تحتاج كل بئر نفط إلى كمية من الماء تقدر بحوالي خمسة ملايين جالون.
الموت القادم من الصخر
خلص تقرير أعدّته جامعة كورنيل الأمريكية، أن التكسير الهيدروليكي قد يكون أكثر ضرراً على البيئة من استخدام الفحم لإنتاج الطاقة.
ففي حين قابلت الولايات الأمريكية، هذه التقنية بانتقادات كثيرة أهمها أنها تستنزف المخزون المائي، وخصوصاً بعد أن نشرت تقارير تفيد أن التكسير الهيدروليكي يستخدم كل عام نحو 100 مليون غالون من المياه في كاليفورنيا وحدها، ربط خبراء الزلازل بين الأنشطة الزلزالية وعمليات التكسير الهيدروليكي، منطلقين من أن حقن كميات هائلة من الماء المضغوط في بئر يؤدي إلى تغير في الوضع الطبيعي لطبقات الصخر وتغير من الميول الطبيعية للشقوق. الأمر الذي قد يسبب انزلاقات أخرى تزيد النشاطات الزلزالية، ويذكر هؤلاء الخبراء أن الولايات الواقعة في وسط الولايات المتحدة الأمريكية والتي تشهد أكبر تجمّع لآبار التكسير الهيدروليكي، أصبحت أكثر عرضة للأنشطة الزلزالية. فقد قفز معدل الزلازل في ولاية أوكلاهوما المشهورة بصناعة النفط والغاز (فاز فيها ترامب في الانتخابات الأخيرة بنسبة 69 في المئة) بين عامي 2009- 2014 من 193 زلزالاً، إلى 688 زلزالاً وهزةً أرضية أي ثلاثة أضعاف عدد الزلازل في ولاية كاليفورنيا التي عرفت تاريخياً بأمّ الزلازل في أمريكا.
أضف إلى كل ما سبق أن المعدات الكبيرة المستخدمة في عملية ضخ السائل تزيد من انبعاثات كبيرة من غازات ثاني أكسيد الكربون الثقيلة.
وقد عبر النشطاء البيئيون في منظمة غرين بيس Greenpeace عن قلقهم من تلوث المياه الجوفية بسبب المياه المضغوطة في طبقات الارض، وذلك بعد أن كشفت دراسة أجرتها وكالة حماية البيئة الأمريكية أن تركيزات عالية من الأملاح (أملاح الباريوم والراديوم) وجدت عند تحليل المياه في مناطق تنفذ فيها عملية التكسير.
قمة باكو تحت ظلال ترامب
انطلقت في العاصمة الأذرية باكو، منذ أيام، أعمال قمة الأمم المتحدة للمناخ (COP 29)، بمشاركة رؤساء دول وحكومات من حول العالم، وشركات ناشطة في مجال الطاقة التقليدية والمتجددة، ومنظمات معنية بمحاربة تغير المناخ.
وكان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، قد أعلن من باكو عن هدف بلاده لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 81 في المئة بحلول عام 2035، مقارنة بعام 1990. فيما أعلنت وفود الاتحاد الأوربي أنهم يخططون لخفض هذه الانبعاثات بنسبة 90% بحلول عام 2040.
ولكن هذه القمة تنعقد على وقع فوز الجمهوري دونالد ترامب بولاية جديدة، وترامب هذا كان قد انسحب في ولايته الرئاسية الأولى (2016 – 2020) من اتفاقية باريس للمناخ، لكن الرئيس بايدن كان قد وقع على وثيقة إعادة الولايات المتحدة إلى اتفاقية باريس، إلا أن ترامب عاد وهدد مجدداً بالانسحاب منها، وترك الحبل على غاربه لشركات عملاقة كي تلوث الكوكب كما تشاء، وعليه يرى خبراء وناشطو المناخ أن هذا الفوز سيكون سلبياً وبمثابة ضربة قوية للعمل المناخي العالمي.
وعلى هامش القمة المنعقدة في باكو، صرح جون بودستا المبعوث الأمريكي إليها قائلاً: (في منظور التزامنا بالعمل المناخي، فإن نتيجة الانتخابات في الولايات المتحدة الأسبوع الماضي مثلت خيبة أمل شديدة).
كما اعتبرت صحيفة (واشنطن بوست) أن فوز ترامب يعتبر ضربة قاضية لموارد (الصندوق الأخضر للمناخ)، الذي يمول مشاريع التحول إلى الطاقة النظيفة، ويتبنى مشاريع الدول النامية لمواجهة التغير المناخي.
وقال ريتشارد كلاين (الخبير في سياسة تغير المناخ في معهد ستوكهولم للبيئة): إن (الولايات المتحدة في مؤتمر المناخ المقبل ليست مجرد بطة عرجاء، بل إنها بطة ميتة، حتى إنهم غير قادرين على الالتزام بأي شيء).
وكانت مجلة (الكربون) البريطانية، المتخصصة في سياسة المناخ، قد أشارت في عددها الصادر في شهر آذار (مارس) الماضي إلى أنه في حال انتخاب ترامب للرئاسة الأمريكية، ستزداد انبعاثات ثاني أكسيد الكربون (CO₂e) بمقدار أربعة مليارات طن بحلول عام 2030 مقارنة بالوضع الحالي. أي ما يعادل مجموع الانبعاثات السنوية للاتحاد الأوربي واليابان، أو مجموع الانبعاثات الخطيرة لـ 140 دولة نامية.
الجنون بالعدوى!
عندما أمرَ ترامب بالانسحاب من (اتفاقية باريس للمناخ)، كانت حجته (الساذجة) أن الدول النامية، تريد عبر تلك الاتفاقية إعادة توزيع ثروات بلاده فيما بينها (تفرض الاتفاقية على الدول الصناعية الكبرى مبالغ كبيرة تصل إلى مليارات الدولارات، توزع هذه المبالغ على الدول الفقيرة والنامية كتعويض عن الاضرار البيئية)، بل إنه كان مقتنعاً بأن الحزب الشيوعي الصيني، هو من اخترع كذبة (التغير المناخي) للإضرار بالصناعات الأمريكية. وبناء عليه فقد رفض يومذاك الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون (الاقتصاد الأخضر).
اليوم ظهر تأثير ترامب السلبي في مجريات قمة باكو، فقد أعطى الرئيس الارجنتيني خافيير ميلي الملقب بالمجنون، بعد محادثة هاتفية مع دونالد ترامب، تعليمات إلى وفد بلاده المشارك في قمة باكو للانسحاب الفوري منها.
وكان ميلي هذا، قد ألمح إلى الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، وقال في تصريح سابق: (كل هذه السياسات التي تحمِّل الناس مسؤولية تغير المناخ كذبة، والغرض منها تمويل الكسالى الاشتراكيين).
البنك الأخضر ضحية
يتوقع الخبراء أن تُعيد وزارة الخزانة الأمريكية خلال ولاية ترامب (الجديدة)، صياغة القواعد التي تحكم المشاريع والشركات المؤهلة للحصول على الائتمانات الضريبية، والتي تدعم إنتاج ما يسمى بالهيدروجين الأخضر. ويرى هؤلاء الخبراء، أن ترامب الذي ألغى خلال ولايته الأولى أكثر من 100 لائحة لحماية البيئة، سيسعى جاهداً خلال ولايته الثانية، للقضاء على ما يسمى مكتب برامج القروض التي يقدمها البنك الأخضر للتكنولوجيا النظيفة في وزارة الطاقة الأمريكية. يذكر أن النواب الجمهوريين كانوا يلاحقون هذا البنك الذي شهد نشاطه ازدهاراً ملحوظاً في عهد الرئيس بايدن.
الاقتصاد الأسود.. أسواق الكربون
أسواق الكربون، هو نظام تجاري يمكن من خلاله للبلدان شراء أو بيع وحدات من انبعاثات الاحتباس الحراري، في محاولة للالتزام بالحدود الوطنية المسموح بها للانبعاثات. وتعمل أسواق الكربون قانونياً من خلال وضع حد أقصى لكمية ثاني أكسيد الكربون التي يمكن أن تنبعث من الشركات. فالشركات التي تنبعث منها كميات أقل من المسموح بها تكسب أرصدة الكربون، التي يمكنهم بيعها للآخرين الذين يحتاجون إلى المزيد للبقاء ضمن حدودهم.
يحفز هذا البرنامج الشركات على خفض التلوث لأنها تستطيع كسب المال من بيع أرصدة الكربون غير المستخدمة.
يجري توزيع بدلات الانبعاثات بين الصناعات أو الكيانات، ويمثل كل منها الحق في انبعاث كمية معينة من الكربون. ويمكن تداول هذه البدلات في السوق.
تعمل أسواق الكربون كنهج تجاري جديد، من خلال إنشاء إطار مالي يقدر تخفيضات الانبعاثات، يهدف إلى معالجة تغير المناخ.
تلميع أسماء الشركات.. الغسل الأخضر
حين عقدت الأمم المتحدة قمة الأرض عام 1992 في مدينة (ريو دي جانيرو) بمشاركة 200 دولة، ومئات المؤسسات النافذة، شاركت فيها أيضاً الشركات متعددة القومية، كشركة كوكا كولا ،بيبسي ونستلة ( أكبر ثلاث شركات تلويثاً للكوكب بالنفايات البلاستيكية)، إضافة إلى شركات الوقود والسيارات مثل معهد البترول الأمريكي: بريتش بتروليوم (BP)، إيني (ENI)، إكسون موبيل ( MOBILEXXON)، شيفرون (CHEVRON) ، شل (SHELL)، كرايزلر، أماكس قبرص للتعدين، إكسون، فورد، جنرال موتورز، تكساكو، وغرفة تجارة الولايات المتحدة. وهذه الشركات الملوثة للكوكب ذاتها تشارك في كل نشاط خاص بالبيئة (صغيراً كان أم قمة عالمية)، يقام حول العالم، لكن ليس من باب الخوف على مستقبل الكوكب وإنما لتلميع صورتها الحقيقية المرعبة.
والجدير ذكره هنا هو أن هذه الشركات العملاقة دائماً تنشر إعلانات لها في وسائل الإعلام، تظهر أنها صديقة للبيئة في إطار ما يسمى ظاهرة الغسل الأخضر، بهدف غسل دماغ البشرية.
على الدنيا السلام!
يشبه كوكب الأرض اليوم كرة القدم، يلعب بها فريقان، الأول هو دول العالم مجتمعة (وخاصة الفقيرة) والفريق الثاني يقوده ترامب وكارتيلات الصناعة العملاقة، فريق يريد تدمير الكوكب وآخر يريد بث الحياة فيه. وسط الحروب والكوارث التي تحيق بنا من جهة، وفي خضم التطور العلمي السريع الذي يمهد لصناعات صديقة للبيئة من جهة أخرى.
يبقى السؤال الذي يطرح ذاته هو: هل من مخلص ينقذ البشرية من مطرقة ترامب المجنون، وسندان المجمع الصناعي المتوحش؟
من يعِش يرَ!