التطور العالمي المعاصر ومفاهيم التعليم التقليدي

يونس صالح:

لا شك في أن التغير الاجتماعي السريع، والتطور التكنولوجي والاقتصادي العاصف الذي يجري في العالم، يجعلان مفاهيم التعليم التقليدية موضع تساؤل، كيف نعلّم؟ فهناك موضوعات يعفو عليها الزمن قبل أن يترك التلاميذ المدرسة؟ ومتى تكون العلاقة بين المخزونات التقليدية للمعرفة والمتطلبات الجديدة قد بدأت بالتقوّض؟ ومتى يكون مستقبل البشرية ومستقبل كل فرد مفتوحاً بشكل أساسي؟ وكيف يعلّم التلاميذ كيفية التعامل مع الشكّ والتعقيد؟ وكيف يعدّ التلاميذ لمواجهة التحدّيات القادمة؟

ليس هناك إجابة نموذجية عن هذه الأسئلة، ولكن يمكن أن تكون هناك طرائق قابلة بطبيعتها للتطبيق، وليس هناك علاجٌ سحريّ يتيح تعليم الناس كيفية التعامل مع الحقائق المعقدة والمشكوك فيها.

ويضع علماء الاجتماع بعض العلامات في خضمّ هذا الغموض أو التشويش.

 

التعلّم المتمركز حول المشكلات

أخذاً في الحسبان الأسّيّ في المعرفة الإنسانية، فقد أصبح من المستحيل تبيّن المادة التعليمية التي يجب اختيارها، وبالتأكيد ليس هناك نقصٌ في المادة التعليمية التقليدية، ولكن السؤال يكمن في أيّ مادة نختار؟ فإلى جانب التعليم الأساسي الذي يعدّ مطلباً لاستمرار العلم، اقترح العديد من علماء الاجتماع أن يقتصر قانون التعلّم على مجال المشكلات التي حدودها بـ: (حماية البيئة واستثمار الموارد والنمو السكاني والحرب والعدوان والعدالة الاجتماعية)، ولا يكون التعامل مع هذه المشكلات من منظور إقليمي فحسب، بل من منظور العالم بأسره. ويقرّر علماء الاجتماع في هذا السياق أن هناك مهمة أساسية للفكر التربوي، فالمعرفة العقلية يجب أن تتقدم على الخبرة الحسّية، ويمكن أن تكون هذه الخبرة الحسية وسيلةً وليست غاية.. كما ستلبّي قيمتها التعليمية عندما تكون موضوعاً للتنوير والتأمل اللذين تحض عليهما التربية. إن حاجة الإنسان إلى الخبرة الحسية يجب إشباعها، ولكن يجب في الوقت نفسه ربطها بالتفكير المجرد، ليصبح التعليم المتمركز حول الفعل والتعليم العملي محاولة تتيح فرصاً للخبرة في حدود فضاء المدرسة.

لقد أضحت العلاقة بين الفعل والنتيجة حتمية في العصر الحديث، في التعليم والسياسة على حدٍّ سواء، وفي أحسن الأحوال يمكن للفرد أن يركن إلى حقيقة أنه لا يمكن أن يعتمد على شيء، فكل شيء يمكن أن يتبدّى بشكل مختلف، والتوقعات يمكن أن تبعث على اليأس، والآمال يمكن أن تكون خادعة. وحتى الآن فإن مفهوم التربية ينصب بشكل أساسي على الحصول على الأمان، والكتب المدرسية تقدم الأسئلة، ومن ثم فإنها تعطي شعوراً بالأمان.. ومع ذلك فلم تعد المعرفة اليوم توصف على أنها (اختلاف فحسب).

أما بالنسبة للغايات، كما يقول العديد من علماء الاجتماع، فإن هذا يعني أن على التربية أن تحقق الآتي:

– في مجال واقع الهدف، يجب أن ينصب التعليم على كيفية التعامل مع الجهل.

– في المجال الاجتماعي: يجب أن ينصب التعليم على كيفية التعامل مع ما هو غريب.

– في المجال الزمني، يجب أن ينصب التعليم على كيفية التعامل مع الشكّ.

وعلى الرغم من انتشار الجهل، فما هي الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها فيما يتعلق بطرائق التعليم؟

إن التعليم الملتزم الذي يتسق مع قدرات المعلم يحمل وعداً بضمان أكثر للتعامل مع الشك، يجب على التعليم تقديم الارتباطات المعرفية بالحالات المستقبلية، دون اللجوء إلى أسئلة محددة يفترض أن تكون إجابتها واضحة.

إن التطور عالي التعقيد نحو العالمية يجعل من الصعب إعطاء وصف للحقائق الواقعة. إن الإيديولوجيات القائمة يمكن أن تبقى صامدة مدّةً تزيد أو تنقص، ولكن سوف تحل محلها إيديولوجيات أخرى عاجلاً أم عاجلاً، ومن ثم يجب أن يتعلم الصغار اليوم بأنه لا يمكن إعطاء وصف دقيق للأشياء مرة واحدة وإلى الأبد، والاستنتاج الذي يمكن استخلاصه للتعليم، من دون إمكانية إعطاء وصف مؤكد للأشياء من منظور واحد، هو ضرورة توفير فرص لممارسة تغيير النظرة.

إن دراسة أي تاريخ على سبيل المثال من عدة منظورات لها ميزتان كبيرتان: الأولى تمنع اجتياح ثقافة للثقافة الأخرى، ومن ثم تتيح للتعلم من خلال تداخل الثقافات بوصفه وسيلة لتفاهم الحضارات والثقافات الأخرى. أما الميزة الثانية فهي تعلم التلاميذ لتغيير نظراتهم وتعايشهم مع الشك، ليدركوا في سن مبكرة أنه لا توجد حقائق مطلقة وثابتة.

ربما سوف تجدون أن هذا الوصف للواجبات التربوية غير متسق بما فيه الكفاية، ويشرد بعيداً عن المكونات التقليدية للتربية.. وبنظرة أولية فإن مفهوماً كهذا سوف يعطي مجالاً لإثارة كثير من الأسئلة، كما يوفر كذلك مجالاً أكبر للتأمل والتفكير.

العدد 1194 - 15/04/2026