خريفٌ في مزهريّة

عبد الرزاق دحنون:

أحبُّ إطّلالة نافذة مُشرفة على الحديقة في المنزل الذي أسكنه مع أسرتي في المرتفعات الجبليّة في مدينة إزمير على شاطئ بحر إيجة، والمُطلّة جبالها على البرّ الإغريقيّ في اليونان الحديثة، نافذة جميلة بتفاصيل غريبة تُطابق في إطّلالتها وألوان ستائرها تلك اللّوحة العبقريّة التي رسمتها أنامل التشكيليّ السوريّ المُبدع سمير حميدي.

في ركن الأريكة المكسوّة بالطّنافس العجميّة اتّكأت تلك المزهرية مُطلّة على شبّاك من شبابيك الوجود الغارق في صفار كالشّهد، وحلو كالشّهد. من متّكئها يلمع بريق أوراق شجرة كساها الخريف بألوانه، ويُخيّل للمرء أنّ الشجرة تهتزّ أغصانها كأنّها لا تقوى على حمل كلّ ذلك الجمال المكدّس فوقها، فيهتزّ معها الوهج الذهبيّ. وعلى السّتائر الحريريّة الخشنة، الممتدّة على طول النافذة العالية، ترتمي بين فينة وفينة ظلالٌ عجيبة هي ظلال اللّون، يا الله ما أبدع تلك الظّلال! فتخلق في ركن الغرفة جواً خريفياً مذهلاً، وكأنك في حُلم فُرشت حواشيه بألوان صفراء زاهية من ذهب أيلول. وأتساءل: وهل للون ظلال؟

يمكن أن نسميّ اللّوحة (خريف في مزهريّة) تأمّل اللّوحة جيّداً، وتمتّع بتلك الألوان البهيّة الباهرة التي ميّزت لوحات التشكيليّ سمير حميدي. وتقول زوجتي-حفظها الله- أنتَ من عُشّاق لوحاته لأنّها لا تخلو من اللّون الأصفر؛ لونك المُفضّل، بتدرجاته المختلفة، وهذه اللّوحة على حدّ زعمك، عَشّشَ فيها اللون الأصفر كما يعشّش طائر السُّمّان في حقل قمح اصفرّت سنابله. يبرز الأصفر في اللّوحة بكامل حسنه وأناقته وإشراقه، ونَضارته، ولمَعانه، وزُهوّه، وأَلَقه، هذا بَهاءُ اللون وظله، فكيف لا تعشقها، وأنتّ في العمود تحبّ الألوان الدافئة والتي تعكس الشغف والسعادة والحماس والطاقة. وأنتَ أيضاً تعشق همس تلك السّتائر التي تتدلى ساكنة في هذه اللّوحة التي تقول عنها بأنّها مذهلة. وتابعت الزوجة حديثها: على كلّ حال، ها نحن على أبواب فصل الخريف، لذلك قم الآن من أمام حاسوبك المحمول وفكّ تلك الستائر التي تُحرّكها الريح بين فينة وفينة؛ لأغسلها، لأنّ نافذتك المحبوبة تُطلّ على الحديقة مباشرة، وغبار فصل الصيف في التلال المحيطة بنا هُنا في المرتفعات الجبلية في مدينة إزمير علقت في قماش السّتائر الأصفر الخشن، فكلح لونها.

يا الله ما أسعدني! وأقولها جادّاً: أفرح لأنّ التشكيليّ سمير حميدي من مدينتي التي ولدتُ فيها وأحبُ طبيعتها وناسها حباً جمّاً، وأترجم ذلك مُحوّراً بيت الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري:(حَيّيتُ سفحَكِ عن بُعْدٍ فحَيِّيني/يا إدلب الخيرِ، يا أُمَّ البساتينِ). أسعد الله أوقاتك بكلِّ خير يا سمير، حيَّاك الله ورعاك. وأسأل: من أين لي كلّ تلك السعادة التي تغمرني وأنا أتأمّل هذه اللّوحة بفرشاة مُبدع حقيقي؟ أتخيّله يتأمّل لوحته السّاحرة التي أبدعتها أنامله التي تُحرك الفرشاة بدقّة ومهارة عالية، شاعت في محيّاه ابتسامة الرضا، ثم استقرّت الابتسامة على شفتيه. ولكن نهض فجأة ووضع أصابع كفه اليمنى على جفنيه كأنه يريد بذلك أن يحبس في مُخيلته حلماً عجيباً خشي أن يزول. هل وضع في هذه اللّوحة من نفسه أكثر مما ينبغي لرسام أن يضع؟ التشكيليون في العموم أرواح بشريّة ممزوجة بالألوان الدّافئة والباردة بقدر كثير أو قليل لإثارة أحاسيس معينة في النفس، كما أنهم يستعملون أساليب مختلفة لجعل الألوان وسائل أسلوبية تُعبّر بأشكال مختلفة عن الانسجام والتّضاد. وقد أبدع التشكيلي سمير حميدي في لوحته إبداعاً عالياً.

لا شك في أنني مُعجب بالمفردات اللونية الواسعة أو الهائلة التي تُبدعها فرشاته الفصيحة، وأكاد أقول إنها تنطوي على إشعاع روحيّ يتجسّد في ضربة فرشاة أو سكين رسم في يدٍ جرّبت الحياة بكلِّ ما فيها من فرح وترح، من سعادة وشقاء، من خُبث وطهارة، من خير وشر، من سلم وحرب، من رذيلة وفضيلة، وسعت كي تتوازن الأضداد في عالم الله الرَّحيم. هذا البعد الروحي في لوحات الخط العربي مثلاً يدفعنا لنذوب فيها وجداً، بل نُحس كأننا نعيش في داخلها وننتمي إليها، ونستعذب ديمومتها في دواخلنا. وعندما نُغادر مرسمه يستمر تأثير اللّوحة فينا. ويجاذب نفسي، دوماً، شعور غريب، فيما أنا أفكر في تلك الهبة العظيمة التي مُنحها الله لعباده، الموهبة.

يُفضّل التشكيلي سمير حميدي الألوان الدافئة أكثر من الألوان الباردة في لوحاته لتعكس الشغف والسعادة والحماس والطاقة. وتتضمن: الأحمر والبرتقالي والأصفر والبنفسجي بإمكانياته اللونية الغامرة ومتدرجاته العديدة. وهي ألوان النار، أوراق الخريف، الشروق والغروب، وهي بشكل عام توحي بالطّاقة. الأحمر والأصفر كلاهما ألوان أوليّة والبرتقاليّ يقع بينهما، مما يعني أن الألوان الدّافئة دفئها أصيل ولا ينتج عن الجمع بين لون دافئ ولون بارد. ما السرُّ في هذا السحر؟ بالنسبة لي أجد أنّ التشكيليّ سمير حميدي خُلق لهذا العمل كي يكشف أسرار الكون، لأن الكلمة وحدها لا تستطيع التعبير عن الرمزيّة الكونيَّة، فتحضر الألوان الدافئة، فيحوِّلها الرّسام بهجة شاملة، تسمو بنا فوق هموم الحياة اليومية.

العدد 1191 - 18/03/2026