الظاهرة الاجتماعية واحتلالها مكانة مهمة في الفكر الإنساني

يونس صالح:

منذ نهوض الحضارات القديمة، تبوّأت التأملات حول الظاهرة الاجتماعية مكانة مهمة في الفكر الإنساني، وكان من أوائل من قام بدراستها دراسة متأنية قدماء الإغريق.. فقد طرح السفسطائيون، معلّمو البلاغة في القرن الخامس قبل الميلاد في أثينا، الأسئلة الأساسية حولها.. ومنها على سبيل المثال: هل وجود المجتمعات الإنسانية ظاهرة طبيعية، أم أنها ظاهرة تاريخية، وما هي إلا مجرد نتاج حتمي للنشاط الإنساني.

وفي مرحلة تشهد فيها أنماط الحياة الاجتماعية للبشرية جمعاء تغيرات كبيرة، يعود بعضها إلى آليات العولمة، وبعضها الآخر إلى ظهور الاقتصاد الموجه نحو الخدمات، والذي حلّ محلّ اقتصادات التصنيع، كما يعود جزء منها إلى سهولة انتقال الثقافات.. في هذه المرحلة تواجهنا أسئلة عديدة حول مسارات الحياة الاجتماعية، فتطرح هذه التغييرات أسئلة عاجلة حول مصير المعتقدات الثقافية وأنماط السلوك المشروعة، وحول الأخلاق والقيم الاجتماعية، ماهيتها، وغايتها، ومن يمتلك الحقّ في تحديد الأخلاقي منها من غير الأخلاقي.

إحدى السمات التي طغت على ساحة الدراسات السوسيولوجية هي احتدام الجدل بين تيارين: تيار الحداثة، وتيار ما بعد الحداثة.. فالأول يذهب إلى أن قيمة العقلانية هي القيمة الأهمّ، فهي الأداة الأجدى لاكتشاف الحقيقة والجمال والأخلاق، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فالحقيقة غير خاضعة للنسبية، بل هي وقائع موضوعية نستطيع أن نكتشفها ونعرفها بواسطة العقل، ومن هنا فالتنمية والتقدم الإنساني أمران لا مناص منهما، ومن أهم مظاهر التقدم قدرة الإنسان على التحكم في التغيرات التي تطرأ على الحالة الإنسانية وتوسيعه لفضاء الحرية.

وعلى العكس من ذلك يذهب تيار ما بعد الحداثة إلى أن المجتمعات والكيانات الاجتماعية ليست أشياء ثابتة، وهي ليست حقائق موضوعية يمكن اكتشافها، بل هي تجارب نستطيع النظر إليها من زوايا شتى، وهي كذلك تصورات ذاتية دائمة التغيّر والتحول، وعلى كلّ مستوى من مستويات الحياة، سواء مستوى العلاقات الفردية أو الأسرية، وقد نعطي بعض هذه التصورات قيمة خاصة، ونبجلها ونسبغ عليها حالة المشروعية، إلا أن ما نقوم به لا مبرر موضوعياً له، وفي النهاية تتساوى جميع التصورات المطروحة في الإمكانية والحدث.

إن كان الأمر كذلك، فهل نستطيع سبر غور القوانين التي تتحكم في الظاهرة الاجتماعية كما نفعل في العلوم البحثية؟ وكيف لنا التنبؤ بالتغير الاجتماعي، سواء كان ذلك على صعيد الثقافة أو البنية الاجتماعية أو السكانية أو البيئة؟ وكيف لنا أن نفسر الفعل الاجتماعي، وهو ما يمثل مربط الفرس في الدراسات السوسيولوجية، وخاصة جهود الناس في التواصل والتعاون المشترك.. وأخيراً كيف لنا أن نفسر الدوافع الأخلاقية عند الأفراد؟

هذه الأسئلة أطرحها مع أنني لا أطمح إلى تقديم مقولات قاطعة أو حقائق حاسمة، فليس في البحث العلمي كلمة نهائية، وقد لا تكون الإجابات على هذه الأسئلة إن حصلت شافية أو وافية في نظر البعض، وربما لا تكون حتى مقنعة للبعض الآخر.. إلا أنها تحرك الفكر.. ولكن، متى اتفقت الآراء حول هذه الظواهر؟

 

العدد 1194 - 15/04/2026