بين العلماء والأمراء.. علاقة نمطية واستثناءات نادرة
مالك عجيب:
قديماً قيل: شرّ العلماء من يجالس الأمراء وخير الأمراء من يجالس العلماء، كما قيل غيره الكثير في نهي العلماء عن مخالطة الملوك والأمراء ، ومع ذلك نجد كتب التاريخ تعجّ بأخبار علماء وحكماء لم يأبهوا بهذه الحكمة القديمة، فتهافتوا على أبواب الملوك والأمراء يطرقونها متوسلين شتى السبل للوصول إلى بلاطهم، والجلوس إلى موائدهم ومنادمتهم، واستجداء وصالهم من خلال تملّقهم بقصائد المديح وخطب الرياء، اتقاء شرّهم تارةً وتوسلاً لرضاهم ورضى خازن مالهم طوراً، كَثرة أمثال هؤلاء في كل عصرٍ وزمان جعلت من مذهبهم هذا أشبه بعُرفٍ متّبع طبَع شكل العلاقة تاريخياً بين حدّي المعادلة بطابعٍ نمطي اتسم بغلبة خضوع العلماء لسلطان الملوك والأمراء، رغم أن سيرورة العلاقة وإشكاليتها الأزلية يفترض بها أن تشي بغير ذلك الطابع، فالعلاقة بين الطرفين محكومة بدافع التنافس والتنادد أكثر مما هي محكومة بدافع خضوع واستكانة أحد الطرفين للآخر، وذلك بتأثير عامل حاسم غير خفي في جوهر هذه العلاقة ألا وهو الشعور المشترك لطرفيها بالعظمة والسمو، هذا الشعور الذي يفترض به منطقياً إذكاء نوع من الغيرة المتبادلة يفضي إلى توتر العلاقة بينهما، وهذا ما كان يحدث في حالات نادرة، ولعل هذا الشعور بالذات هو الذي أفرز طائفة من النماذج أنتجت شكلاً آخر أقل شيوعاً لهذه العلاقة، اتسم بقدرٍ نسبي من النديّة والاحترام المتبادل فأعاد بعض التوازن لهذه العلاقة وخفف من حدة الانطباع السائد عنها، منها على سبيل المثال ما وصلنا عن سيرة الإسكندر المقدوني مع الفيلسوف أرسطو، وعن سيرة الإمبراطور الروماني نيرون مع الفيلسوف سينيكا، وإن لم يشْغل هذا الشكلُ الحيّزَ الذي يستحق من صفحات التاريخ التي اقتصرت على الإشادة بأبطالها كنماذج استثنائية تثبت إمكانية الخروج عن السياق النفعي المصلحي للعلاقة من خلال التركيز على عرض بعض الوقائع والمحاورات التي تؤكد تمتع أمثال هؤلاء العلماء بذاك الهامش العزيز من حرية القول والفعل في حضرة أسيادهم، بل والتأثير على فكرهم وسلوكهم بطريقةٍ أو بأخرى أحياناً، وسبب هذا الخلل المزمن كامن لا في ندرة تلك النماذج الإيجابية التي لم تنجُ على كل حال من تهمة خضوع الطرف الأضعف للطرف الأقوى وتملّقه ومحاباته، بل في طريقتنا التقليدية الخاطئة في النظر إلى هذه القضية الحساسة من منظور كمّي إحصائي لا يراعي القيمة النوعية لإسهامات هذه القلة من العلماء ودورها في توجيه سيرورة التاريخ الذي لا تنفك تحولاته الكبرى تؤكد أن عقول العلماء والمفكرين كانت كثيراً ما تضاهي سيوف الفاتحين أثراً، إن لم تكن أعظم أثر منها أحياناً.
وثمة شكل ثالث من أشكال هذه العلاقة، هو شكل نادر ندرة الخلّ الوفي، جدير بأن يُضرب مثلا ً في السمو الذي يمكن أن تبلغه هذه العلاقة.. شكل يمتاز لا بميزة التكافؤ التي ينشدها ويدعيها العلماء فحسب بل تتجاوزها إلى حالة من تبادل غير مألوفٍ للأدوار بين حدّي المعادلة على نحو يدعو إلى الدهشة والعجب، وهل من مدعاة للدهشة أكثر من رؤية ملكٍ يتملق عالماً ويتودّده بطريقة أقل ما يقال عنها إنها كفيلة ولا بد بإثارة غيرة وحسد حتى أرسطو وسينيكا.
المثال الأبرز والأشهر لهذا الشكل الاستثنائي يضربه رجل استثنائي عاش في عصر استثنائي وجالس ملوكاً استثنائيين فسطّر سفراً استثنائياً في تاريخ العلاقة بين العلماء والملوك.. ربما لأنه قدّر له أن يعيش في أحد أبهى عصور العقل في التاريخ الإنساني، أو ربما لتوافق أفكاره وفلسفته مع اللحظة التاريخية الراهنة والمزاج العام السائد بما فيه مزاج الملوك والأباطرة، وربما أيضاً لعبقريته الفذّة في اللعب على تناقضات عصره، وربما لأسباب أخرى نجهلها أيضاً، قدّر لمفكّر فرنسي اسمه فرانسوا ماري أرويه، وعرفناه بلقب فولتير أن يتبوأ تلك المكانة المرموقة في تاريخ علاقة العلماء بالملوك، كيف لا يغار أرسطو وسينيكا وكل ذي علمٍ وأدبٍ وفنّ من رجلٍ تهافت ملوك العالم لكسب ودّه وتسابقوا لاستضافته وتكريمه والإطناب في كيل المديح له والإشادة بمناقبه، وكيف لا يشعر بالزهو والخيلاء مَن لم يتحرج أحد أعظم ملوك أوروبا وهو فريدريك الأكبر ملك بروسيا من الكتابة له مادحاً بل متملّقاً: (تمنياتي بالصحة والعافية لأشدّ من عاش وسيعيش من العباقرة على هذه الأرض خبثاً وإغراءً، أما أنا فيعزّيني أنني عشتُ في عصر فولتير وحسبي هذا). ومَن راسلته الإمبراطورة الروسية العظيمة كاترين الكبرى محاورةً إياه في مسائل الفكر والفلسفة بعد قبولها بكل سرور لقب (سميراميس الشمال) الذي أسبغه عليها.
ومَن اعتذر له كريستيان السابع ملك الدانمارك أشدّ الاعتذار عن عدم قدرته على تطبيق كل الإصلاحات التي أوصى بها في مؤلفاته لبلده، ومن اعتذر له ستانسلاس يونياتوفسكي ملك بولندا على إخلافه بوعده زيارته كونه سيق على عجلٍ لاعتلاء عرش بولندا بينما كان في طريقه لزيارته في فرنيه، ومن شكرَه غوستاف الثالث ملك السويد على لحظهِ مملكة السويد في بعض مؤلفاته خاتماً رسالته إليه بدعاءٍ لا يمكن إلا أن يذكرّنا بأدعية بعض علماء هذا العصر لملوكهم بقوله: (أتوسّل إلى الله أن يطيل في أيامك الغالية القيّمة للإنسانية جمعاء)، ومَن قال ملك فرنسا لويس الخامس عشر فيه وفي خصمه اللدود جان جاك روسو: (لقد دمّر هذان الرجلان فرنسا).. من وجهة نظره الملكية طبعاً.
واللافت أنه مع كل هذا السّجل الحافل لم ينجُ الرجل من ملاحقة السلطات له والتضييق عليه ونفيه وإحراق مؤلفاته وحتى الزج به في الباستيل، أما الأغرب فهو أنه مع كل هذا وذاك لم ينجُ أيضاً من تهمة محاباة الملوك وتملقهم حتى وصل الأمر ببعض خصومه حدّ نعته بلقب فيلسوف البلاط.
يبدو أن قدر هذه العلاقة مهما بلغت من الودّ والاحترام والنديّة أن تبقى أبد الدهر محكومة بالشبهات، وعلى هذا.. فليتفكر العلماء ملياً قبل الإقدام على مجالسة الملوك والأمراء.. أخياراً كانوا أم أشراراً.