الثقافة والمقاومة وطوفان الأقصى

يونس صالح:

الثقافة ليست ستاتيكية (سكونية)، فهي تنشأ عن احترام منهجي وحثيث لعادات وتقاليد منتقاة، ويمكن تعريف الثقافة في الواقع بأنها نموذج كلّيّ لسلوك الإنسان ونتاجاته المتحدة في الكلمات والأفعال، وما تصنعه يداه، وتعتمد على قدرة الإنسان على التكلم ونقل المعرفة للأجيال التالية. أما اللغة والمعتقدات والأنظمة السياسية والقانون والأعراف الاجتماعية، فهي إرث المنتصرين، وأصحاب رؤوس الأموال، وتعكس حكم السوق على الأفكار عبر التاريخ الشعبي. ويمكن النظر إليها أيضاً باعتبارها نتاجات حية، ومفردات متفرقة ترتحل عبر السنين من خلال تيارات التعليم والقبول الشعبي والتمسك غير الواعي بالعادات.

وتستخدم الثقافة من قبل منظمي المجتمع، السياسيين ورجال اللاهوت والأكاديميين والأسر لفرض النظام الذي تغيرت مبادئه مع مرور الزمن وفقاً لما تمليه الحاجة، وضمان استمراره، ولم تستغل الثقافة كثيراً كوسيلة من وسائل تبرير الممارسات اللا إنسانية والحرب. ومع ذلك فإن أي بحث عابر لتاريخ الصراع يبيّن تماماً لماذا جرى التوقع بحدوثه عبر خطوط الصدع الثقافي، وهي الخطوط التي تندفع عندها الصراعات تحديداً. والأسوأ من ذلك أن الاختلافات السياسية كثيراً ما تُكرس من خلال ارتباطاتها بالجذور الغامضة للثقافة، سواء الروحية أو التاريخية، ونتيجة لذلك يصبح تهديد ثقافة المرء تهديداً لدينه ولأسلافه، وبالتالي تهديداً لجوهر هويته. وقد استخدمت هذه الصيغة الملتهبة لتبرير العديد من أسوأ الأفعال الإنسانية.

يمكن تقسيم الصراعات الثقافية داخل فئات تحريضية، والحروب الدينية، والصراعات العرقية، والصراع بين (أبناء العمومة الثقافية)، والصراعات المرتبطة بالتحرر وفلسفتها الثقافية. وفي كل هذه الصراعات جرى استخدام الثقافة لإلهاب المشاعر وتبرير الأفعال أمام الشعوب. ولقد سقط مليون أرمني وعشرات الملايين من الروس وثلاثة ملايين كمبودي وغيرهم ضحايا لـ (الثقافة)، وبغض النظر عن أصولهم العرقية والدينية والإيديولوجية والقبلية والقومية. وبلا ريب فإنهم سقطوا أيضاً ضحايا لمشاريع أخرى، ولكن العناصر التحريضية للثقافة كانت بالنسبة لهذه المشاريع، كما كان غوبلز بالنسبة لهتلر، مسهّلاً للجريمة وربما الشريك الأكثر إثماً.

ويمكن للمؤرخين ضرب الأمثلة على ثقافة (مهيمنة) على مر العصور تجتث خصومها (الأصلف) في الغرب الأمريكي، وبين القبائل الأصلية في الأمريكيتين وإفريقيا والبلدان العربية، وأثناء عهد محاكم التفتيش، وفي الواقع خلال عهود توسع كل الإمبراطوريات الاستعمارية، ما يؤكد أن هذه العملية ستقود إلى تجريد البشر من هويتهم، وإلى عالم عليل، ووحيد النسق، غير أن هذا الأمر يستحيل على كوكب يعيش عليه سبعة مليارات إنسان، ويظهر التاريخ أن نجاح أي بلد في رأب الصدوع الثقافية، والتحول إلى وطن يجمع بين أنماط مختلفة من البشر والثقافات يتطلب هياكل اجتماعية معيّنة وقوانين ومؤسسات تعلي من شأن الثقافة.

إن التاريخ يقدم بعض النماذج والتجارب الناجحة في هذا السياق للتعددية الثقافية، وقد بُنيت كلها على فكرة أن التسامح عامل حاسم بالنسبة للرفاهية الاجتماعية، وكلما كانت مسوغات الصالح العام في إزالة السمات الثقافية التي تشجع الصراعات أو تحول دون تحقيق الانسجام أقوى حضوراً، جرى الاحتفاء بالتمايزات الثقافية الملموسة على المستوى الشخصي والحفاظ عليها.

ولكن الواقع يبين أنه من المستحيل تحقيق تلك النماذج التكاملية، على المستوى الكوني وفي المدى القريب. كما أنها لن تتحقق من خلال قرارات رشيدة تمهد السبيل لتطبيق سياسات وبرامج مدروسة بعناية. رغم أن موجهي عملية العولمة المتسارعة يقومون بتحسين وسائل وأنظمة النقل الدولية، ويبتكرون تقنيات وخدمات ثورية جديدة في مجال المعلومات، ويهيمنون على السوق الدولية للأفكار والخدمات، وهو بالطبع ما يؤثر في أسلوب الحياة والمعتقدات واللغة وكل مكونات الثقافة الأخرى.

وهنا لا بد من التأكيد أن التكنولوجيا لا تُحدث فقط تحولاً في العالم، بل إنها تخلق عالمها المجازي أيضاً. إلَّا أن العديد من المفكرين يرون أن استغلال الفرص التي خلقتها الثورة العولمية الكونية للترويج لثقافتها أمر بغيض. فالثقافة العولمية عموماً، والأمريكية على وجه التحديد، تختلف جوهرياً عن الثقافات الأصلية وليدة بيئتها في العديد من المجتمعات. وإن فرضها على الآخرين يحمل في طياته الكثير من التعسف. إن التمازج الحضاري يتطلب بناء روابط قادرة على خلق مستودع دائم الاتساع من المصالح المشتركة بين الشعوب يتزايد حجمه باستمرار، وتقليص التفاوتات التي يؤدي استمرارها إلى تعزيز النزاعات العدائية بين الشعوب، ويساهم في توسيع الهوة بين نزعتي التكامل والانعزال، ووضع الثقافات العالمية بحالة تعارض وصدام عوضاً عن التكامل والتفاعل فيما بينها.

وفي هذا السياق من الضروري التطرق إلى النسق الخيالي لوسائل الإعلام لارتباطه بالثقافة. وهو نسق فانتازي غير واقعي. إن العالم الذي يطرحه علينا التلفاز والإنترنت على سبيل المثال، هو عالم دون شروخ يتناول عيوبنا بطريقة تجعلنا لا نحياها باعتبارها عيوباً. إنه نسق استلاب. وعالم وسائل الإعلام هو عالم يبتر خيالنا ويفصله بذلك عن الجذور التي تغذّيه وتنظمه، ويغمسنا في بعد يحاول إلغاء الشروخ، والتفاصيل، وإلغاء الجانب العيني القادر على إرجاعنا إلى ذواتنا ومساعدتنا على إعادة اكتشاف الجذور الضاربة فيما هو واقعي، وذلك من خلال الدوافع التي تبقينا في حالة سبات منهمكين كلياً في المتعة الهدّامة للبقاء خارج أنفسنا. وما هو فريد هو الذي يطلق هذه العملية، أما ما هو شاسع فيبقينا على الحافة الناعمة للأماكن المألوفة. وبصورة عامة فإن وسائل الإعلام تقدم لنا عالماً مجمداً في هذه العالمية الزائفة أما الثقافة الصحيحة فإنها لا تطرح على نفسها مسألة جعل العالم يتقدم، بل تسعى لتغييره.

وقبل التطرق إلى الصراع العربي – الإسرائيلي، ودور الثقافة في هذا الصراع، لا بد من التطرق إلى أن المشكلات الدولية التي يتوقف على حلها حاضر العالم كله ومستقبله، مرتبطة قبل كل شيء بتغيير ميزان القوى السياسية في الساحة الدولية، وبتكوين هياكل جيوسياسية، وروابط إقليمية جديدة، ولهذا السبب تعتبر مسألة التخلص من منظومة القطبية الواحدة للعلاقات الدولية أهم عناصر الجيوسياسية المعاصرة، فالصراع العربي – الإسرائيلي واجه، بعد انهيار المعسكر الشرقي وهيمنة القطب الواحد، محاولات عديدة لتغييبه عن الساحة السياسية ومحاولة إيجاد حلول غير عادلة وفرضها، وتصوير الصراع على أنه صراع بين قيم الديمقراطية والتحضر من جهة، وقيم التخلف والإلغاء من جهة أخرى، صراع بين حركات دينية إرهابية متطرفة تمارس أعمالاً تخريبية، ودولة مدنية تسعى لنشر القيم الإنسانية. ويتساءل هنا السائل: كيف يمكن في القرن الحادي والعشرين ومع هذا التطور الكبير في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام أن تجري أكبر عملية لتزييف الوقائع والتاريخ؟ كيف أصبح الحق إلى جانب معسكر دون آخر؟

تكمن المشكلة في أحد جوانبها في الحشد الإعلامي الكبير لأدبيات وثقافات طرف على حساب طرف آخر. لقد أظهرت المسألة الفلسطينية والمقاومة كيف أن الصراع حمل في طياته حرباً ثقافية حضارية، ولم يكن مجرد عمل عسكري. لقد سعت (إسرائيل)على مدى عقود طويلة إلى خلق أدبيات ثقافية تبرر عدوانها معتمدة في ذلك على موروث تاريخي متخيّل لا يستند إلى أية أرضية علمية، وقد جرى تعويم هذه الأدبيات من خلال مؤسسات إعلامية مهيمنة كخطوة مشابهة لتلك التي اتبعتها الولايات المتحدة الأمربكية في سياستها التطهيرية ضد الهنود الحمر.

إن هذا الطرح الذي غيَّب بشكل واضح النضال الذي خاضه الشعب الفلسطيني على مرّ العقود من أجل استعادة أرضه وحقه في الحياة بكرامة كان في أحد جوانبه نتاج الصراع الحضاري والثقافي الذي عكس نزعة عولمية لخلق واقع افتراضي يهدف لقلب الحقائق وإظهار المظلوم بصورة المجرم، والقاتل بصورة الحمل الوديع، لقد فجرت أحداث طوفان الأقصى في القرن الحادي والعشرين الأزمة الثقافية العميقة والتي سعت لإبعاد المواطن العالمي عن دائرة العمل الفكري والإنساني والثقافي وتكريس النزعة الفردية، التي تسعى لجعل الإنسان مفصولاً عن الواقع وبعيداً عن القضايا الأهم في حياة الشعوب، وأصبحت الأولوية الأوحد بالنسبة له هي حريته الفردية بمعزل عن نضال الشعوب من أجل استقلالها وكرامتها.

لقد فتح طوفان الأقصى الباب على مصراعيه لتناول ما سعت إليه دول عالمية لطمس تاريخ شعب بأكمله وهويته، ولأول مرة شهدت المقاومة الفلسطينية تعاطفاً شعبياً كبيراً على مستوى العالم، وفضح بشكل كبير تورط دول كثيرة في تزوير الحقائق والتاريخ. لقد تهاوت جدران الديمقراطية وقيم الحرية الغربية أمام هذا الطوفان، وقد شهدنا كيف أن حكومات دول كثيرة في العالم الغربي سعت لقمع الحراك الشعبي في الجامعات والساحات العامة، وحتى منع إعلاميين ومفكرين وأدباء وفنانين من التعبير عن آرائهم وأفكارهم الداعمة للقضية الفلسطينية من خلال إغلاق صفحاتهم على منصات التواصل الاجتماعي، ومنعهم من العمل، أو التضييق عليهم إعلامياً أو حتى تهديدهم أحياناً. لقد تكشفت مع أحداث طوفان الأقصى تلك الازدواجية في المعايير الغربية، وكيف يتم التعامل مع السردية الثقافية والتاريخية للمسألة الفلسطينية، فبعد الحرب العالمية الثانية شهدت الثقافة العالمية نشاطاً ملحوظاً في التعاطي مع المسألة اليهودية على أرضية عمليات التطهير التي جرت على يد النازيين، وجرى تصوير اليهود كشعب مضطهد عانى من الويلات، ويجب على المجتمع الدولي أن يقف إلى جانب هذا الشعب في نضاله من أجل تحرره وتأمين حياة كريمة له، في الوقت الذي كانت المليشيات الإسرائيلية تمارس تطهيراً عرقياً في فلسطين ضد السكان الأصليين، ومنذ ذلك التاريخ حتى هذه اللحظة والقضية الفلسطينية تعيش أسيرة الخطاب (الإسرائيلي)المتباكِي الذي يعتبر كل من يوجه الانتقاد للسياسة الإسرائيلية معادياً للسامية. إن أهمية طوفان الأقصى لم تكن تكمن في العمل العسكري الذي قامت به المقاومة الفلسطينية فحسب، ولكن تجلت فيما أثاره من نشاط ثقافي وفكري وسياسي من كشف للزيف المتأصل في السياسة الإسرائيلية والمجتمع الغربي، وأظهر كيف أن هذا الصراع ليس صراعاً عسكرياً فقط ولكنه صراع حضاري وثقافي، وأن الثقافة هي إحدى الأدوات الفعالة في هذا الصراع التي يجب توظيفها في المقاومة من أجل تحرر الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره.

  • نقلاً عن مجلة (تقدم) التي تصدرها الحركة التقدمية الكويتية
العدد 1194 - 15/04/2026