مرّةً أخرى حول التكاثر الديمغرافي
يونس صالح:
كلّ خمس ثوانٍ يستقبل كوكب الأرض مولوداً جديداً، يحتاج إلى غذاء وماء وتحصين ضد الأوبئة وتعليم وعلاج طبي ورعاية، ثم عندما يكبر يريد عملاً يكفل معاشه، والباقي قصة مألوفة، لسكان الدول النامية بصفة خاصة.. جميع مشكلات الدول النامية تتفاقم كل ثانية، لأنه في كل ثانية يولد خمسة أطفال، والزيادة دائماً تتمثل في هذه المناطق.
تشير الدراسات إلى أنه بمجيء سنة 2029، أي بعد أقل من خمس سنوات من الآن، سيكون تعداد سكان الأرض قد وصل إلى 10 مليارات نسمة، أي إلى أكثر من ضعفَيْ ما كان عليه في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، وسيكون ذلك مصحوباً بنقص في المياه الصالحة للاستهلاك الآدمي، وتآكل في التربة الزراعية، وتزايد في الفجوة بين الأغنياء والفقراء سواء داخل المجتمع الواحد أو بين المجتمعات، مما يسبب تفاقم الأحقاد والكراهية والصراع، وفوق هذا كله فإن تزايد البشر معناه تكاثر كل ما يعيش على أجسامهم من جراثيم وطفيليات وفيروسات وغيرها.
الواقع أن هناك تقديرات أكثر قتامةً منها، إذ إن البنك الدولي يشير في إحدى دراساته إلى أن تعداد سكان العالم سيصل إلى 14 مليار!
ماذا سنفعل؟
هناك من حاول أن يجيب عن هذا التساؤل منذ أكثر من مئتي عام، توماس روبرت مالتوس (1766-1834) عالم وفيلسوف اقتصادي إنكليزي، نشر سنة 1798 دراسة عنوانها (بحث في التزايد السكاني وأثره في إمكان تحسين المجتمع الإنساني).. ويتضمن العنوان أيضاً الرد على معارضي مالتوس مثل جودوين وكوندروسيه.
خلاصة أفكار مالتوس هي أن سكان الأرض يتزايدون بمتوالية هندسية، بينما الموارد تتزايد بمتوالية عددية، وأن هذا سيؤدي إلى أن تتفشى الحروب والجريمة والأوبئة، غير أن هذه الشرور ضرورة لابد منها لإيقاف هذا التزايد المكلف، أي أنه يجب أن يقع ما نخشاه لكيلا يقع ما نخشاه! ثم عاد فنشر سنة 1803 تعديلاً يضيف أننا قد نفيد أيضاً من ممارسة تحسين السلوك و(الانضباط المعنوي).
الواقع أن هذا يكفي إذا تداركنا أنفسنا، فالحروب والأوبئة قد تنقص أعداد البشر، غير أنها عندما تقتل منهم أعداداً كافية سوف تترك وراءها مئات الملايين من المرضى واليتامى وذوي العاهات والمجانين والأفاقين والمشوهين، يعيشون في مستنقعات من الأوحال والألغام ومزارع الجراثيم.
إنصافاً لمالتوس، فإنه لم يفته أن يذكر أن التقدم في الزراعة والتكنولوجيا قد يعوق الكارثة، وقد حدث هذا فعلاً، ولكن متى؟ في ذلك الوقت كان تعداد سكان أوربا كلها وبضمنها روسيا 200 مليون فقط، وكانوا يتضاعفون كل 25 سنة، وكان سكان إنكلترا يتزايدون بمعدل 1% سنوياً، ثم تزايد إلى 4%، وكان مقدراً لهم أن يبلغوا 70 مليوناً بعد عدّة عقود في تقدير مالتوس، غير أنه حدث أمران في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، أنقذا إنكلترا من المصير الذي كان يخشاه مالتوس: التحسن الكبير في الزراعة والصناعة، ثم هجرة الإنكليز بأعداد كبيرة إلى أستراليا وكندا. لم يحدث هذا لإيرلندا مثلاً التي دفع بها التخلف إلى مجاعة أهلكت 20% من سكانها برغم الهجرة، أما في الهند فالقصة معروفة.
سوف يختلف الحال في العالم الصناعي، فإن معدلات الإنجاب تتناقص، والناس أصبحوا لا يعدّون الزواج ضرورة للمعاشرة، والمجتمع (يشيخ) بفعل تطاول الأعمار، ونقص المواليد، ومما يتصور أن الملايين سوف تحاول أن تتسلل من العالم الثالث إلى هذه المناطق. إن أكثر من مليون مكسيكي يتسللون إلى الولايات المتحدة كل سنة، والحكومة فقط هي التي تعترض، أما أصحاب المزارع فلا ترى أي نوع من المشكلات سينشأ في بلد يعتبر نفسه عاصمة العالم، نتيجة للفوارق المعيشية والعرقية؟ وقد حاولت كلٌّ من الصين والهند أن تفرض حلاً لهذه المشكلة، وكانت نتيجة ذلك في أولى الحالتين سقوط حكومة أنديرا غاندي في السبعينيات، واتهامها بالفساد، إلى جانب تطبيق حملة تعقيم الرجال على عجائز فوق الثمانين نتيجة لسوء إدارة المشروع. أما في الصين، فقد أدت فرض سياسة الطفل الواحد إلى ممارسة وأد البنات قبل ولادتهن، ونشوء أجيال أغلبها من الذكور، لن يجدوا إناثاً، وحتى لو وجدوا فإن من واجب الحكومة هنا هو حسن استخدام وسائل التعليم والإعلام فيما فيه خير المجتمع، لكن الحكومة لم تستطع أن تمارس تنظيم الأسرة.. والسؤال المطروح هو: هل يمكنها أن تصلح من مستوى معيشة الشعب، مما يجعل الآباء والأمهات يريدون أن يحافظوا على هذا التحسن؟
يقودنا هذا إلى طبيعة أنظمة الحكم، هل تتمتع بالكفاءة والإخلاص أم بالخيانة والبطش؟
لقد كتب الفيلسوف البريطاني برتراند رسل كتاباً في أواخر أيامه عنوانه (هل للإنسان مستقبل)، أكد فيه ضرورة مواجهة الأخطار التي تهدد البشرية بالفناء، وأبرزها خطر أسلحة الدمار الشامل، وتفاقم مشكلات التكاثر والتلوث والتضليل الإعلامي وفساد الحكم، وعلينا أن ندرك الآن أن هذا كله ليس إلا نتاجاً لحماقات البشر، وليس قدراً مفروضاً على الشعب.