رائعة الساحر كويلو.. الخيميائي
فادي الياس نصّار:
هناك سرّ في كتابات (باولو كويلو) يغريك أن تقرأ وتقرأ بنهم دون التوقف إلى أن تنهي القصة التي بين يديك، حتى تتمنى أن تعيد قراءتها من جديد، فهو يتحدث عن البدو الرحل والغجر وعن الخيميائيين وقارئات الفال، وعن الحروب والحب والشغف والأحلام والتواضع والحكمة والسحرة والقرآن والإنجيل، وعن الأيقونات، فلا يمكنك الإفلات من أسطره المليئة بالإثارة في قصته (الخيميائي).
تدور أحداث القصة في الأندلس حيث يعيش سانتياغو الراعي الذي علّمته خِرافُه لغة كونية استخدمها مرة ليخلص نفسه من الموت على أيدي قبائل الصحراء، حينما كان يبحث عن أسطورة حياته، يساعده في ذلك كلٌّ من القدر وملك الرعيان وقارئة الفال الغجرية.
سانتياغو الذي أحب ببراءة وأُغرم بشغف مرّتين، وكان يرى العالم كلّه في قطيعه، كان قد كتب عليه أن يجوب العالم باحثاً عن كنزه المفترض، الكنز الذي رآه في أحد مناماته والعجوز التي فسرت الحلم طلبت عُشره. يرافقه في رحلة البحث عن الكنز تجار وخيميانيون يقرؤون بنهم، وجمّالون يعرفون الصحراء شبراً شبراً، ويتناول معهم القصص والأحاديث ويستفيد منهم ويخسر ويربح حاملاً معه الأمل وكلمات الحكيم ملكي صادق، وحجرَي المعرفة: أوريم، وتوميم.
إن أجمل ما في القصة ذلك المثل الذي طرحه الملك الحكيم عن سر سعادة البشر، وفيما يلي أنقله حرفياً:
ثمة تاجر كبير، أرسل ابنه ليكتشف سر السعادة، مشى الولد أربعين يوماً في الصحراء، ووصل أخيراً أمام قصر جميل يقع على قمة جبل، وهناك كان يعيش الحكيم الذي يجدُّ في البحث عنه.
وبدل أن يلتقي رجلاً مباركاً، فإن بطلنا دخل صالة تعجّ بنشاط كثيف: تجار يدخلون ويخرجون، وأناس يثرثرون، وفي إحدى الزوايا فرقة موسيقية صغيرة تعزف ألحاناً هادئة، وكان هناك مائدة محمّلة بمأكولات من أطيب وأشهى ما تنتج تلك البقعة من العالم.
هذا هو الحكيم الذي يتحدث مع هذا وذاك، وكان على الشاب أن يصبر طيلة ساعتين حتى يأتي دوره. أصغى الحكيم إلى الشاب الذي كان شرح له دوافع زيارته، لكن الحكيم لا وقت لديه كي يكشف له سرّ السعادة، فطلب منه القيام بجولة في القصر ثم العودة لرؤيته بعد ساعتين.
– أريد أن أطلب منك معروفاً ـ أضاف الحكيم وهو يعطي إلى الشاب ملعقة كان قد صب فيها قطرتين من الزيت، أمسك الملعقة بيدك طوال جولتك وحاول ألا ينسكب الزيت منها.
أخذ الشاب يهبط، ويصعد سلالم القصر، مثبتاً عينيه دائماً على الملعقة، وبعد ساعتين عاد إلى حضرة الحكيم.
– إذاً ـ سأل هذا، هل رأيت السجاد العجمي الموجود في صالة الطعام؟ هل رأيت الحديقة التي أمضى سنوات عشراً في تنظيمها كبير الحدائقيين؟ هل لاحظت أروقة مكتبتي الرائعة؟
كان على الشاب المرتبك أن يعترف بأنه لم يرَ شيئاً من كل هذا، على الإطلاق.
– عد وتعرّف على القصر واحرص ألا تنسكب قطرتا الزيت!
– حسن!
- لا يمكن الوثوق برجل يجهل البيت الذي يسكنه، قال له الحكيم.
اطمأن الشاب أكثر، وأخذ الملعقة، وعاد يتجول في القصر، معيراً انتباهه هذه
المرة لكل روائع الفن التي كانت معلقة على الجدران، وفي السقوف، رأى البساتين والجبال المحيطة بها وروعة الزهور، والإتقان في وضع كل واحدة من تلك الروائع في مكانها المناسب،
وعند عودته إلى الحكيم، روى له ما رآه بالتفصيل.
– ولكن أين قطرتي الزيت اللتين كنتُ عهدت لك بهما؟
نظر الشاب إلى الملعقة فلاحظ أنه قد سكبها.
– حسنٌ ـ قال حكيم الحكماء ـ هاك النصيحة الوحيدة التي سأقولها لك:
(سرّ السعادة هو أن تنظر إلى عجائب الدنيا كلّها، ولكن دون أن تنسى أبداً وجود قطرتي الزيت في الملعقة).
عندما وصل أخيراً وبعد سفر طويل وصعب وقاهر إلى كنزه الذي رآه في أحلامه اكتشف أن الكنز لم يكن بعيدا حيث الأهرامات، وإنما في الكنيسة المهجورة في الأندلس بلاده ذاتها وتحت شجرة الجميزة التي كان ينام تحتها كل يوم منذ يفاعته أثناء رعيه للقطيع.
إن جمال السرد وخفته والحبكة البسيطة المعقدة بآن معاً، والإثارة، كلها تميز كتابات كويلّو المبدع، ولعل الحكم المستقاة من نهاية القصة وفي صدرها هي ما أعطاها أهمية تجاوزت بذلك أهمية أعظم الروايات في العالم.
التقى سنتياغو بعد كل تلك الأيام المرة بالفتاة البدوية فاطمة، التي كان قد التقاها في إحدى الواحات وأحبها حباً لا يشبه في ذلك إلا حب فلورينتينو للآنسة فيرمينا داثا في رواية (الحب في زمن الكوليرا) لغارثيا ماركيز.