ملاحظات حان وقت سماعها.. وطموحات يجب البوح فيها
محمد علي شعبان:
مؤسفٌ أن نسمع بعض السوريين يرددون عبارات ومفاهيم جديدة، دخلت التداول في بعض المناطق، منذ بداية الألفية الثانية، ولم تكن موجودة سابقاً،
مثال،، كلمة (المكونات) التي تتداول بكثرة في المحافظات الشرقية، والتي يقصد بها الدلالة على الطائفية، والمذهبية، والقومية، وغير ذلك من الدلالات التي لم تستخدم سابقاً في مجتمعاتنا!! وزاد عليها مفردات ومفاهيم ومصطلحات، بعد الوجود الأمريكي على الأراضي السورية،، ومسميات جديدة لمناطق معروفة بأسماء أخرى!! وذكر مفردات غير متداولة سابقاً، كالشعوب السورية، وغيرها من المفردات التي يجري تداولها الآن،
لم يقتصر الأمر على ذلك، بل تطور إلى تشكيل قوات عسكرية، لم تعتمد في تدريبها وعقيدتها على الجيش السوري!
لقد دربتها القوات الأمريكية بحجة محاربة داعش، الذي تشكل منذ الاحتلال الأمريكي لبغداد،
فشكّل الذريعة التي دخلت بموجبها قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، الأراضي السورية بهدف محاربته، ما دامت داعش منظمة إسلامية، تريد بناء الدولة الاسلامية الواحدة، على الأراضي العراقية والسورية!
لم تتأخر شعوب المنطقة باكتشاف هذه الكذبة الكبيرة التي صنعتها الإدارة الأمريكية، وخاصة بعد انطلاق الثورة الفلسطينية، التي كشفت أن داعش لم يكن إلا وهماً صنعته الإدارة الأمريكية، لتقنع العالم بأن الخطر الحقيقي قادم من بلاد المسلمين، وجعل الأقليات غير المسلمة تشعر بالخطر، ضمن أراضي العراق والشام! وأن الخطر الأكبر هو قيام إمبراطورية اسلامية تهدد دول الجوار والعالم الأوربي!
بعد الجهود التي بذلتها الصهيونية وحلفاؤها من الأوربيين والأمريكان، ومن الصهاينة العرب، بجعل العرب وخاصة المسلمين منهم فزاعة لجميع البشر!
لذلك يجب الحذر منهم ومعاملتهم معاملة تقتضي حصارهم وتجويعهم، وجعلهم في صراعات، وحروب دائمة كي لا يتمكنوا من الاستقرار، والنهوض ثانية.
هكذا فعلت الإدارة الأمريكية وحلفاؤها الأوربيون: استغلال ثروات العرب والشعوب المجاورة، بحجة أنها تقدم لهم الحماية من عدو مفترض وخطير قد يولد ويتحرك أو ينتفض.
وبعد انطلاق حرب التحرير في فلسطين، غاب داعش ولم يبقَ له ذكر إلا في المناطق والمهمات الخاصة التي تحقق خدمة للوجود الأمريكي على الأراضي السورية.
ولو أن داعش موجود فعلاً كما صورته الإدارة الأمريكية، يجب أن يتجه للقتال مع إخوته المسلمين في فلسطين، وتحرير المقدسات الإسلامية هناك! فهذه فرصته المناسبة، لتشكيل حاضنة اجتماعية، هو بأمسّ الحاجة إليها.
إلا أن الوقائع والاحداث أثبتت كذب الإدارة الأمريكية وحلفائها، أينما وجدوا.
وبالعودة إلى المتغيرات والتغيرات التي حصلت في المحافظات الشرقية لسورية، والتي تؤكد وجود نوايا مسبقة بإجراء تغييرات، أقل ما يقال عنها أنها ليست لخدمة المواطن والوطن السوري، رغم الخطابات التي نسمعها، من بعض الشخصيات الفاعلة في الجزيرة السورية،
والتي تؤكد عدم وجود نوايا تقسيم أو انفصال.
لكن هنالك رغبة بإنشاء إدارة ذاتية، مترافقة مع طروحات خاصة، لتهيئة المناخ لقبول فكرة اللامركزية الديمقراطية، وصياغة عقد اجتماعي خاص بالمحافظات الشرقية من سورية، يحمل بين سطوره تشكيل قاعدة بيانات، تؤكد أن الانفصال عن سورية سيصبح أمراً واقعاً لا محالة، رغم الكلام عن عدم الرغبة بالانفصال والتطمينات الضعيفة التي نسمعها بين حين وآخر. وترافق ذلك مع سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها السلطات المكلفة بإدارة شؤون المحافظات الشرقية، التي أطلقوا عليها اسم (إقليم شرق الفرات)!
واجتهد الساسة أصحاب هذا الرأي بإيجاد خطاب براغماتي مليء بالالتباسات حول تعريف الإدارة الذاتية، واللامركزية الديمقراطية، التي تعني نقل الصلاحيات من المركز إلى الأطراف، دون تقديم مبررات مقنعة لهذا الفعل الذي يعاكس القوانين الطبيعية، وقوانين علم الاجتماع، التي تؤكد أن المركز يشكل النواة الأساسية والجامعة للأطراف التي تستقوي به من جهة، وتعطيه القوة والإمداد، من جهة ثانية.
وأعتقد أن المشاركة الفعلية لكل الأطراف بصياغة القرارات والتشريعات والقوانين تقطع الطريق على مثل هذه المطالبات، التي لن تخدم سوى أعداء الوطن والطامعين باستغلال موارده.
إن مشاركة السوريين في تقرير مصيرهم، دون وصاية من أية جهة كانت، دون تمييز أو تفرقة
لمكان أو لشخص أو لفئة، أو لطائفة او قومية في الوطن على حساب مكان آخر، أو فئة أخرى او قومية الخ هو الهدف والغاية، ذلك أن التمييز بين محافظة وأخرى يؤدي إلى احتقانات وشعور بالظلم لا تحمد عقباه.
لكن المؤسف أن يحصل كل ذلك بالتوافق العلني مع معظم الأطراف الفاعلة في المنطقة الشرقية بقيادة (قسد/ مسد)، والإصرار على استمرار العلاقات الجيدة مع القوات الأمريكية المحتلة لعدة مواقع من الأراضي السورية، وأهم حقول النفط الموجودة شرق الفرات، بحجة محاربة داعش (المصنع)، والانتصارات الوهمية التي تحققت ضد داعش، ومعظم المسلمين الآن يبحثون عن داعش تحت المجهر، ولم يجدوا أثراً له.
وبالتالي لم يبقَ مبرر لوجود ما يطلق عليهم قوات التحالف ضد داعش، على الأراضي السورية،
ولا يوجد مبرر لوجود جيش مهمته الأساسية محاربة داعش، الموجود بالوهم الذي شكلته الإدارة الأمريكية، كما شكلت وهم أسلحة الدمار الشامل التي ادعت وجودها في العراق، قبل أن تعترف بأن لا وجود لأسلحة دمار شامل هناك، قبل صناعة داعش، الذي استثمرت وجوده لربع قرن من الزمن.
وبناء على ما تقدّم أرغب بتوجيه رسالة لجميع السوريين الذين يعتزون بسوريتهم، أينما وجدوا، وأقول لهم: ليس بمقدور أحد في العالم أن يعيد الزمن، أو أن يحيي الموتى، لكن أمامنا العديد من الاشياء التي يمكن فعلها، ويجب أن نعمل لتحقيقها.
بالتأكيد يمكننا الدعوة لمؤتمر حوار وطني، والجلوس على طاولة الحوار معاً، كسوريين يرغبون بالخروج من الأزمة، وأن نناقش العديد من الملفات، وإيجاد الحلول المناسبة لحلها، وإيجاد قواسم مشتركة للغالبية من الشعب السوري، الذي يرفض التعامل مع الأجنبي ضد وطنه، ويرفض العنف والاقتتال بين أبناء الوطن، ويرفض التدخل والتبعية للخارج، ويطمح إلى حل الأزمة المستعصية بالطرق السلمية، ويعمل من أجل إزالة أسبابها بغية عدم تكرارها، وهذا يقتضي :
- التحديد بدقة من هم أعداء الوطن ومن هم أصدقاؤه.
- اعتبار الانتماء الوطني في المقام الأول دون أية معوقات، والعمل على إنتاج عقد اجتماعي جديد، يؤكد حقوق المواطنة المتساوية، والواجبات المتساوية، وتعميم ثقافة المواطنة، دون تمييز بين مواطن وآخر على أساس الانتماء القومي، أو العرقي، أو الديني، أو الطائفي، أو المذهبي.
3- فصل الدين عن السياسة واحترام حقوق الناس بممارسة عباداتهم في دور العبادة، شريطة عدم تدخلهم بالشؤون العامة.
وفي حال حصول التوافق على ما ذكرته، لم يعد هنالك مبرر لأي طرح يميز فئة عن فئة أخرى،
ولم تعد المطالبة بإدارة ذاتية أو باللامركزية الديمقراطية ذات جدوى.
إن التوافق على دولة المواطنة الكاملة توجب على القومية الأكبر المطالبة بحق مساواة القوميات الأخرى بها، إذا كانت حريصة على الوحدة الوطنية، كما توجب على القوميات الأخرى العمل على تأكيد الوحدة والوطنية، وقطع الطريق على أي طرف خارجي أن يتدخل في الشؤون الداخلية للدولة التي نعمل من أجل النهوض بها، وتقويتها، لتكون المظلة الجامعة لجميع المواطنين الذين ينتمون إليها.
إن مؤتمر الحوار الذي يطمح السوريون لانعقاده يفتح صفحة جديدة بين السوريين لمصالحات، ومسامحات، وإقرار بالأخطاء التي ارتكبت بحق الوطن، والاستفادة من الأخطاء التي حصلت بغية، إصلاحها وتجنّب الوقوع فيها ثانية.
إن الاختبار الذي عاشته سورية يؤكد أن الشعب السوري يستحق أن يعيش بحرية وكرامة، وهو من أكثر الشعوب العربية حرصاً على إنسانيته وحبه لوطنه.