العلاقة بين القيم الثقافية والعولمة الاقتصادية والعصرنة
يونس صالح:
تظهر بيانات استقصاء القيم العالمي أن نظرة الشعوب التي تعيش في المجتمعات الرأسمالية الغنية إلى العالم تختلف نظامياً عن تلك المجتمعات ذات الدخل المتدني (دول الجنوب)، فيما يتعلق بمجموعة واسعة من المعايير والمعتقدات الدينية والاجتماعية والسياسية.. وهذه الأبعاد تعكس أولاً الاستقطاب بين التوجهات التقليدية والعقلانية الدنيوية نحو السلطة.. وثانياً الاستقطاب بين قيم البقاء والتعبير عن الذات.. ونعني بكلمة تقليدي تلك المجتمعات التسلطية نسبياً التي تشدد على الدين، وتمثل تياراً من شكل القيم التي كانت سائدة ما قبل الثورة الصناعية التي تؤكد مثلاً على هيمنة الرجال في الحياة السياسية والاقتصادية، واحترام السلطة، ومستويات منخفضة نسبياً من التسامح مع قضايا مثل الإجهاض والطلاق.. أما في المجتمعات المتطورة أو المجتمعات العقلانية- الدنيوية فتحمل السمات المقابلة.
إن العنصر المركزي في بُعد (البقاء والتعبير عن الذات) يتعلق بالاستقطاب بين القيم المادية وما فوق المادية، ويوجد دليل كبير يشير إلى أن هناك تحولاً ثقافياً في المجتمعات الصناعية المتطورة ينبثق بين أجيال تربت على اعتبار مسألة البقاء حقيقة مسلم بها، وتؤكد القيم ضمن هذه المجموعة على الحماية البيئية والحركة النسوية، والمطالبة المتزايدة في حق المشاركة في صنع القرار في الحياة الاقتصادية والسياسية، وقد زاد هذا انتشار هذه القيم خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين في معظم المجتمعات الصناعية المتطورة.
ويقول بعض منظري العصرنة إن التطور الاقتصادي يجلب معه تغيراً ثقافياً جذرياً، فيما يجادل آخرون بأن القيم الثقافية ثابتة، وهي التي تؤثر إلى حد كبير في المجتمع أكثر مما يحدثه التغيير الاقتصادي.. فمن منهم على صواب؟
سيكون أحد أهداف أي استقصاء عالمي للقيم هو دراسة الروابط بين التطور الاقتصادي والتغيرات في القيم، والسؤال الأساسي الذي نطرحه هنا هو ما إذا كانت عولمة الاقتصاد ستنتج بالضرورة عملية التجانس (أو بمعنى أدق الأمركة) في الثقافة.
لقد قام منظر العصرنة في القرن التاسع عشر كارل ماركس بتنبؤ جريء حول مستقبل المجتمع الصناعي مثل نشوء طبقة عاملة، واضمحلال حضور الدين وغير ذلك.. وكان من المتوقع في القرن العشرين أن تتخلى المجتمعات غير الغربية عن ثقافتها التقليدية، وتسعى إلى مماثلة الطرق التكنولوجية والمعنوية المتفوقة في الغرب.
ويتضح الآن مع الربع الأول من القرن الحادي والعشرين أننا بحاجة إلى إعادة النظر في مسألة العصرنة، قليل من البشر يتوقعون هذه الأيام ثورة بروليتارية، وقد تفوقت مجتمعات غير غربية مثل شرق آسيا على نظيراتها من النماذج الغربية في جوانب رئيسية للعصرنة مثل معدلات النمو الاقتصادي، وقلة من المراقبين هذه الأيام تنسب التفوق المعنوي إلى الغرب، ومن ناحية أخرى يبدو أن أحد المفاهيم الجوهرية الذي لايزال صالحاً هو أن التصنيع يولّد نتائج ثقافية واجتماعية مهيمنة، مثل ارتقاء المستويات العلمية، وتحويل الاتجاهات نحو السلطة والمشاركة السياسية الأوسع، وانخفاض معدلات الإنجاب، وتغيير الأدوار بين الذكور والإناث وغيرها.. لكن التطور الاقتصادي ليس القوى المحركة الوحيدة التي تحدث هذه التغيرات.. ففي العقود الأخيرة الماضية ارتبطت عملية العصرنة بمرحلة ما بعد التصنيع، أي ظهور وتعاظم دور المعرفة والاقتصاد الموجه نحو الخدمات.. ولهذه التغيرات في طبيعة العمل نتائج سياسية وثقافية، فبدلاً من التحول إلى مزيد من المادية مع زيادة في الرفاهية، تمر المجتمعات ما بعد الصناعية بمرحلة التأكيد على مسائل تتعلق بجودة مستوى الحياة المعيشية والحماية البيئية والتعبير عن الذات.. ففي حين أسهمت عملية التصنيع في زيادة هيمنة الإنسان على البيئة، الأمر الذي أدى إلى إضعاف دور الاعتقاد الديني، فإن ظهور مجتمع ما بعد التصنيع يحث على نشوء أفكار عالمية في اتجاه مخالف. فالحياة في المجتمعات ما بعد الصناعية تركز على الخدمات عوضاً عن المواضيع المادية، وتتمحور معظم الجهود المبذولة حول التواصل ومعالجة المعلومات.. فمعظم الناس يمضون ساعات عملهم الإنتاجية في التعامل مع أناس آخرين ورموز أخرى.
غير أن المجتمعات المختلفة تتبع مسارات مختلفة، حتى وإن كانت تتعرض لذات القوى المحركة في عملية التطور الاقتصادي، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن العوامل المرتبطة بطبيعة المجتمع الخاصة مثل التراث الثقافي تقوم أيضاً في تشكيل وقولبة تطور ذلك المجتمع بالذات.
وبإمكاننا أن نستنتج من كل هذا أن للتغيرات الاقتصادية تأثيرات ملموسة ومهمة، ولكن التأثيرات الثقافية التقليدية لاتزال قائمة ومستمرة، فهي تعكس بالنسبة لأي مجتمع تراثه التاريخي برمته.
ونقول أخيراً: إن الاختلافات الاقتصادية لها ارتباط بالاختلافات الثقافية الكبيرة السائدة، وكلاهما له التأثير الكبير على تطور المجتمعات البشرية.