الأمم المتحدة.. متلازمة السبات الإنساني العميق!
فادي إلياس نصار:
يعلم الشعب السوري الذي صمد سنين طوال في وجه الإرهاب، وأصبحت اليوم جراحه واسعة ومتوالية، يصعُب إيقاف نزيفها، أنَّ الخلاص من أوجاعه التي سببتها الحرب الهمجية، ليس في أروقة (منظمة الأمم المتحدة) أو في بياناتها وتقاريرها الكثيرة، وأن المنظمة تحولت اليوم إلى موزّع للمساعدات الغذائية، ولخيمِ النايلون والأحذية البلاستيكية، أو ما يسمى رسمياً بالمساعدات الإنسانية.
وتحتفل المنظمة المذكورة، في 19 آب (أغسطس)، من كل عام، باليوم العالمي للمساعدات الإنسانية، وتذكر في بياناتها أنَّ العالم يشهد اليوم، أكبر عدد من النزحين في آخر 70 عاماً من التاريخ، فقد اضطر أكثر من سبعين مليون شخص إلى مغادرة وطنهم الأم، نتيجة للحروب أو الاضطهاد أو النزاعات بشكل عام (وتتحفظ المنظمة على هذه الأرقام بحجة أنها لا تمثل العدد الإجمالي للنازحين في العالم ، وإنما فقط أولئك الذين طلبوا اللجوء رسمياً داخل بلد آخر)، وما يستدعي السخرية، هو أنَّ ما تفعله المنظمة لهؤلاء المشردين، يتلخص في أنَّها تسعى إلى لفت الانتباه إلى عددهم الكبير نتيجة لأي نوع من أنواع الصراع ، سواء كان سياسياً أو اجتماعياً (بحسب صفحتها الرسمية على الإنترنيت)، فقط تسعى!
لقد تكفلَّت الحرب على سورية (والسياسات الاقتصادية المشلولة) بتهجير حوالي نصف السكان (داخلياً وخارجياً)، فكان الشيء الوحيد الذي قامت به الأمم المتحدة هو تقديم المساعدات الإغاثيّة والإنسانيّة للمهجرين والمنكوبين، وتحولت معظم المنظمات التي تعمل تحت راية المساعدات الإنسانية إلى طرف في النزاع المسلح في سورية، بل امتهنت المتاجرة بالمواطن السوري، لدرجة أصبح العمل في هذا النوع من المنظمات(NGO) تهمة ترمز للربح غير المشروع.
كما كانت (المنظمة) تقدم المعونات الإنسانيّة للاجئين الفلسطينيين من خلال وكالة غوث وتشغيل اللاجئيين (الأونروا). إلا أنَّها لم تُحرك ساكناً حين عمل الكيان الصهيوني جاهداً وبدعم أمريكي علني، على إغلاق (الأونروا)، ونجح بذلك، تاركاً الفلسطينيين يغرقون في الجوع والأمراض والأمية.
كذلك لم تستطع (الأمم المتحدة) تحريك ساكن، عندما انسحب الأمريكيون من منظمات واتفاقيات عديدة، مهددين بذلك أمن العالم أجمع (انسحب العم سام من مجلس حقوق الإنسان، اليونسكو، واتفاق باريس للمناخ، والاتفاق النووي الإيراني، وغيرها).
لكن، و كي لا نطول المنظمة بإجحافٍ، سنعترف أنها لا تكل ولا تمل عن الشجب والاستنكار والتعبير عن قلقها لما يجري حول العالم، من حروبٍ و مآسٍ، وأنها (شاطرة) في التكريم والتفخيم ومنح الأوسمة والألقاب، فهي ستحتفل مثلاً في يوم 21 آب (أغسطس)، القادم باليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا الإرهاب وتكريمهم، والسؤال هنا يطرح نفسه، ماذا فعلت تلك المنظمة لإيقاف الإرهاب ومحاربته أو حتى الحد منه، أو فضحِ مموليه حتى!؟
فبالرغم من أنَّ المنظمة تعمل في المجال الاجتماعي على إعداد الدّراسات عن الأحوال والبرامج الاجتماعيّة في مختلف أنحاء العالم، إلا أن الدول صاحبة المصلحة في بقاء مجتمعات البلدان الغنية بالثروات في حالة من التخلف العميق، تعمل بجدٍ للتعتيم على نتائج تلك الدراسات (بواسطة ماكيناتها الإعلامية الضخمة)، وتمنع تطبيق أيٍّ من مقررات المنظمة، كي تبقى الخطط والبرامج، مجرد حبر على ورق، وتبقى المجتمعات حول العالم رازحةً تحت نير الاستعمار.
وهي (المنظمة) تنشر قوات دوليّة محايدة على الحدود بين الدول، لحفظ الأمن والسّلم الدولي وبعثات مراقبة لتحقيق هذا الهدف، غير أنَّ نشر هذه القوات الدولية يتم فوق رماد الحروب، الذي يغطي جمراً متقداً، لن تُخمده قرارات الجمعية العامة ولا مجلس الأمن، وأكبر مثل على ذلك نتائج نشر قوات دولية في الجولان السوري وجنوب لبنان (لم تنته الحرب عملياً، إنما هي في حالة سبات).
كما وتعمل جاهدةً في العلن على تسويّة نزاعات إقليميّة عن طريق التفاوض، إلا أنَّها فشلت أمام نجاح قوى (استعمارية) عملت في السر، على استمرار تلك النزاعات بما يخدم مصالحها (النزاعات بين سورية والكيان الصهيوني، الهند –باكستان، روسيا-أوكرانيا، إيران- السعودية وقبلها العراق، الصين وهونغ كونغ).
والمنظمة الأممية، بحسب ما تدَّعي الماكينة الإعلامية التي تحكمها الإمبرياليَّة العالمية (ومنها (الفيس بوك) و(إكس) واخواتها)، تعمل على تعزيز الديمقراطية من خلال الانتخابات الحرّة النزيهة، غير أنَّ الدول الاستعمارية لم تعترف بنتائج أيٍّ من الانتخابات المتكررة التي جرت في دولٍ كفنزويلا، (أشرف عليها مراقبون من الأمم المتحدة).
هزيلةٌ هذه المنظمة لدرجة أنها حافظت على حياديتها، حيال فرض الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات على دول العالم من روسيا إلى الصين، مروراً بفنزويلا وكوبا وكوريا الشمالية، وصولاً إلى اليمن وسورية.
وفي عجزها عن كبح جماح الدول الاستعمارية، واستشراسها مؤخراً للسيطرة على الممرات المائية حول العالم.
سقطت ورقة التوت، عن عورات تلك المنظمة منذ أن قبلت عضوية اسرائيل عام 1949، رغم علمها اليقين بأنَّ اسرائيل دولة غاصبة، اغتصبت أرض فلسطين، منذ ذلك الوقت تحول مبنى الأمم المتحدة إلى دكان يبيع الخرداوات السياسية من خطبٍ وبياناتٍ وتقارير.. دكانة منظمات استثمرها الوحش الأمريكي، ولايزال، يعمل فيها آلاف الموظفين الذين يتقاضون رواتبهم من جيوب فقراء العالم، دون أدنى فائدة.
فإلى متى، وكم سيدوم هذا السبات الأممي السياسي والإنساني؟؟
من يعِش يرَ!