الاهتمام يتزايد بعلم المستقبل والدراسات المستقبلية.. فأين نحن منه؟
يونس صالح:
كانت المجتمعات القديمة مولعة بالتعرف على مستقبلها، وما يخبئه القدر لأعضائها، وكانت لها وسائلها البسيطة التي تعتبر الآن وسائل ساذجة وغيبية مثل التنجيم والسحر وغير ذلك من الوسائل التي لا تتفق مع العلم.. إلا أن عمليات استشراف المستقبل في الوقت الحالي قد تخطّت تلك المرحلة الأولية المليئة بالخيال، الذي لم يكن يستند إلى حقائق ووقائع مدروسة بطريقة علمية دقيقة كما هو الشأن الآن، بل ولم تعد هذه العمليات تقنع بالتنبؤ بما سوف يحدث اعتماداً على رصد الوقائع، ثم تهيئة الأذهان للتغيرات المحتمل حدوثها، وإنما أخذت تهتم إلى جانب ذلك بالتخطيط العلمي السليم لمواجهة هذه التغيرات بإجراءات حاسمة وفعالة، أي أصبح لها أهداف عملية أو تطبيقية تتجاوز مرحلة المعرفة النظرية البحتة، ونعني وضع الخطط ورسم السياسات التي تكفل حسن الإفادة من هذه التغيرات، مع الاستعانة في ذلك بقراءة التاريخ ورصد مسار الاتجاهات العامة السائدة في المجتمع، بل وفي العالم كله، والنظر إلى الأحداث من منظور شامل وكلي يأخذ في الحسبان مختلف الاحتمالات والإمكانيات، وقد ساعدت هذه الخطوات على اعتبار عمليات استشراف المستقبل دراسة علمية أو حتى (علماً) قائماً بذاته، وله مقوماته التي تبرر الإقبال المتزايد على التخصص فيه، وإن كان هذا لا يمنع من أن الأحداث المفاجئة قد تأتي مغايرة لكل التوقعات في بعض الأحيان.
ويرى كثيرون أن ذلك يفرض بعض المحاذير على اعتبار دراسة المستقبل (علماً) بالمعنى الدقيق للكلمة.. إنما المهم هو أن استشراف المستقبل لم يعد مجرد مسألة إشباع الرغبة الطبيعية لدى الإنسان في التعرف على المجهول، وإنما أصبح مطلباً أساسياً وضرورياً لتحقيق التواؤم مع المتغيرات المرتقبة في مختلف مجالات الحياة. سواء في ذلك العلاقات السياسية بين الدول بعضها بالبعض الآخر، واحتمال ظهور إيديولوجيات جديدة مناوئة، أو أنشطة اقتصادية مختلفة مثل مستقبل الصناعة، والإنتاج، أو الجهود العلمية المتعلقة بحياة الإنسان وتكوينه البيولوجي وما قد يتعرض له من أمراض نتيجة للتغيرات البيئية، وإفرازات النشاط الصناعي واستخدام أنواع معينة من الطاقة أو الأحداث الكونية الكبرى التي قد تؤثر في علاقة البشر بعضهم مع البعض الآخر، وغير ذلك كثير.
والاهتمام المتزايد الآن بعلم المستقبل أو الدراسات المستقبلية مؤشر واضح على التغير الجذري الذي طرأ على موقف الإنسان من الحياة ودوره الإيجابي في تشكيل الواقع حسب تصور محدد لما ينبغي أن تكون عليه حياته وعلاقته بالعالم الذي يحيط به، والذي يعمل هو نفسه على تشكيله بما يتفق بقدر الإمكان مع ذلك التصور ومع مصالح الإنسان نفسه.
إن الإنسان هو الذي يصنع مستقبله بنفسه، وقد كان هذا هو الوضع دائماً، ولكنه ازداد وضوحاً في العصر الحديث نتيجة لحُسن الاستخدام أو لحسن التسخير للمعرفة المتراكمة والتقدم التقني الهائل الناجم عن توظيف هذه المعرفة لتحقيق إنجازات معينة. وبقول آخر فإن المستقبل هو – إلى حد كبير- ما يتصوره الإنسان وما يعمل على صنعه وإبداعه وتحقيقه.. وتتزايد فاعلية هذه القدرة الإبداعية التي يتمتع بها الإنسان والنتائج المترتبة عليها مع حسن الإفادة بشكل عقلاني من إنجازات العلم والتقدم التقني والتراكم المعرفي في مختلف المجالات.
لقد قطع العالم الغربي شوطاً كبيراً في هذا المضمار- وهو يقيم علاقاته السياسية وأنشطته الاقتصادية وإسهاماته وإنجازاته العلمية من خلال الاسترشاد بنتاج أبحاثه وتوقعاته المستقبلية في مختلف المجالات.. وهذا هو ما يجب أن يأخذ به مجتمعنا بحيث يرتفع عن مستوى الأفكار السطحية الصادرة عن انطباعات سريعة لا تستند إلى موقف علمي موضوعي واضح وصارم، وذلك حتى نلحق بالتقدم العلمي والثقافي الكبير الذي يعمل حثيثاً على تغيير ملامح الحياة على وجه الأرض.