رسائل الحرب المُرّة.. اغتراب الإنسان السوري
فادي إلياس نصار:
مثلما دمرت جيوش المرتزقة والفصائل الإرهابية، التي أتت إلى سورية من كل أنحاء العالم، بدعمٍ من الدول الاستعمارية، وبتمويل خليجي علنيّ، كلّ ما يمت للحياة بصلة، بدءاً بالبنى التحتية (المدارس والمشافي) وإحراق الغابات والعبث بعناصر الحياة البرية، وصولاً إلى سرقة كل غال وثمين، كذلك فعلت العقوبات الاقتصادية التي فرضتها تلك الدول (دول الناتو، الاتحاد الأوربي ومعها جامعة العربية)، بذريعة تسهيل عملية الانتقال إلى الديمقراطية، والدفاع عن حقوق الإنسان، ولحماية المدنيين من انتهاكات نظام الحكم وغيرها وغيرها من الحجج الواهية التي كانت قد استخدمتها سابقاً مع دول عربية (كالعراق، ليبيا والسودان)، وأخرى في آسيا (إيران، كوريا الشمالية، واليوم الصين) وبعض دول أمريكا اللاتينية (كوبا، فنزويلا وسابقاً تشيلي) وبعض الدول الإفريقية الغنية (الصومال، الكونغو، جنوب إفريقيا).
العقوبات التي روّجوا لها، قبل فرضها، في أروقة الأمم المتحدة ومنظماتها (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي)، أوصلت الحياة الطبيعية في سورية إلى شفير الهاوية، بل إلى الموت الفعلي، فالتغيير الديموغرافي الذي حدث في سورية، أدى عملياً إلى ضغط سكاني كثيف في المناطق الآمنة، وهذا تسبَّبَ بتردّي العناصر الأساسية للحياة (تلوثت المياه والهواء وازداد التلوث الصوتي والضوئي)، كما كثرت جرائم الاغتصاب والسرقات والقتل، في حين تشوه النسيج الاجتماعي السوري، نتيجة اختفاء الطبقة الوسطى وتمدد الفقر والبطالة، واغترب الإنسان السوري عن مجتمعه وعن ذاته، وظهرت مهن جديدة غريبة عن المجتمع السوري (تجارة الجنس، المخدرات، والسلاح، الأعضاء البشرية)، وفي الوقت ذاته عادت بعض الأمراض إلى الظهور بعد أن كانت الجهات الحكومية قد أعلنت في فترة ما قبل الحرب اختفاءها بشكل شبه نهائي (السل، الملاريا، الحمى التيفية والمالطية، التهاب الكبد الفيروسي، وشلل الأطفال) في بعض المراكز الحضرية.
كما تسببت تلك العقوبات بخروج مساحات شاسعةٍ من الأراضي عن الدورة الزراعية الطبيعية، بعد أن تدهورت نوعية التُرَب بشكلٍ رهيب، وبعد أن جرى تهجير أكثر من ثلاثة ملايين انسان من الريف السوري خلال سنوات الحرب الست الأولى، وارتفاع أسعار الأسمدة والأدوية الزراعية، والوقود بنسبة فاقت 300 في المئة.
نعم، لقد تسبب هذا الخلل الخطير في العلاقة بين الإنسان وبيئته، كنتيجة حتمية للعقوبات القاسية والحرب المدمرة، باغتراب حقيقي للإنسان السوري عن ذاته، وهذا ليس إلا شكلاً آخراً من أشكال الموت.
تلك الدول الاستعمارية التي جاءت لنَشرِ الحُرّيات عبر بدعة (الربيع العربي)، لم تُعِر انتباهها إلى أن الإنسان، إضافة إلى المآكل والمشرب والمسكن، لديه من الاحتياجات الروحية، ما يحدد مستقبله وربما نمط حياته بأكملها، احتياجات كالتَعَلُّم، الرياضة، الموسيقا، الرقص، والعلاقات الاجتماعية، فبمجرد فرضها لتلك العقوبات، فقد السوريون كل معنى لحياتهم، وبالتالي فالعقوبات كانت حقيقةً الشكل الصامت، المريع، والمتوحش، للاستعمار الجديد.
في كل مرة يفرضون العقوبات كانوا ولايزالون يقتلون الشعوب ويدمرون مستقبلها.. لكنهم لا يخجلون!
فقد فرضوا عقوباتٍ على العراق والسودان (اثنين من أغنى بلدان العالم العربي بالثروات المائية والباطنية)، فأغرقتهما في المجاعات والفقر والجهل.
وفرضوا عقوباتٍ على يوغسلافيا (كانت المثال الصادق للتعددية العرقية والدينية والإثنية، خلال نصف قرن)، فمزقتها إلى دويلات.
وعقوبات على هايتي وبنما، حولتها إلى مستعمرات منهوبة وتابعة للإمبريالية.
وأخرى على زيمبابوي والصومال وجنوب إفريقيا، فَشَلَّت قُدراتها، وأثقلت كاهلها بالديون، وأفقرت شعوبها.
فيما كانت نتائج عقوباتهم على كوبا (البلد النموذجي بالخدمات الطبية المجانية والرعاية الصحية والاجتماعية) خلال أكثر من نصف قرن من الزمن، خسائر اقتصادية بلغت أكثر من تريليون و126 مليار دولار.
إنهم يدمرون الأمم، فلا يمكن مثلاً أن يكون مستقبل البلدان التي يعيش أطفالها حياة كريمة، في بيئة آمنة تنعم بالسلام، يتلقون تربيةً سلميةً، وفق أسس علمية وحضارية، ويتمتعون بكل الظروف المواتية لحياةٍ طبيعية مستقرة، كمستقبل الأمم التي ينمو أطفالها وشبانها في ظلِ الحروب والحصار والعقوبات الاقتصادية، محرومين من أبسط مقومات الحياة الأساسية، ينهشهم الجوع والعوز والأمراض.
ختاماً نتساءل: أيةُ أجيالٍ تلك التي ستُفرزها الحرب على سورية؟
وأيّ مستقبلٍ لسورية ستبني الأجيال التي حرمتها العقوبات من كل شيء، والتي أرتها الحرب، الدماء في الشوارع، الأجيال التي عضَّها الألم والحُزن؟
لذلك وقبل إعادة إعمار الحجر، يجب العمل على إعادة بناء الإنسان الذي هو ملح الحضارة، وتأهيله.