المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.. تقارير في خدمة الاستعمار
فادي إلياس نصار:
يومياً، يضطر نحو خمسين ألف شخص حول العالم، إلى الفرار وترك منازلهم بسبب الإرهاب، المجاعات والاضطرابات والنزاعات العرقية، كل ذلك تحت أعين جميع الدول التي تدعي أنها تحافظ على مكونات الحياة على هذا الكوكب الأخضر المائل إلى اليباس، والتي طالما دعت وتدعو إلى مؤتمرات حول التنوع الحيوي والمحافظة على الحياة البرية والبحرية، تلك الدول التي تدعي اهتمامها بحقوق الانسان ابتداء من حقه في المأكل والمسكن والملبس وصولاً إلى حقه في تأسيس أحزاب ومنظمات، علماً أن تلك الدول بغالبيتها هي أعضاء فيما يسمى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التي أعلنت مؤخراً أننا نعيش في عالم ينزح فيه قسراً شخص واحد كلّ ثانيتين نتيجة النزاعات أو الاضطهاد العرقي والقتال القبلي.
نعم، لقد نشرت تلك المنظمة تقارير تقول فيها إن ما يقرب من سبعين مليون شخص في كل أنحاء العالم (واحداً من كل 113 شخصاً في العالم هو مهجر)، أُجبروا على الفرار من ديارهم، وأن أكثر من نصفهم لم يبلغوا بعد سن الـ 18 عاماً.
كما أكدت المفوضية في تقاريرها أن الحرب في اليمن قد هجّرت وشرّدت نحو أربعة ملايين إنسان، وأن هناك سبعة عشر مليون آخرين بحاجة إلى غذاء، وسبعة ملايين منهم دون مأوى.
وقبلها كانت قد نشرت تقارير عن مئات آلاف اللاجئين من رواندا (حيث غذّت فرنسا نزاعات تسببت بمجازر فظيعة ذهب ضحيتها مليون قتيل) إلى تنزانيا ودول أخرى، وتقارير أخرى عن أكثر من مليوني لاجئ أفغاني إلى الباكستان (لا تزال أفغانستان تمثل مصدراً لأعلى معدلات اللاجئين في العالم).
وأشارت المفوضية أيضاً إلى أن خمسة ملايين شخص من شمال شرق نيجيريا هجرّوا وشرّدوا من منازلهم بسبب الجرائم التي ارتكبها ما يسمّى تنظيم بوكو حرام (فرع آخر من تنظيم القاعدة الأمريكي الصنع).
وبحسب تقارير أخرى للمفوضية ذاتها، فإن (الحرب والمجاعة شردت نحو مليوني طفل في جنوب السودان). وللأسباب ذاتها لجأ مئات آلاف الصوماليين إلى كينيا ودول أخرى. وأن الاضطرابات في جمهورية الكونغو الديمقراطية تسببت بتهجير أكثر من مليوني شخص منذ بداية عام 2017 إلى أنغولا وزامبيا وغيرها من البلدان المجاورة. وأن عدد اللاجئين من زيمبابوي إلى جنوب إفريقيا وبوتسوانا، قد تجاوز الثلاثة ملايين لاجئ (ربع السكان) في الفترة بين عامي (2000 – 2010) بسبب الأوضاع المعيشية.
وفيما يخص سورية، فقد كشفت آخر تقارير المفوضية عن وجود أكثر من 13 مليون نازح داخل سورية، إضافة إلى ستة ملايين لاجئ توزعوا في القارات الخمس (مأساة إنسانية).
بغض النظر عن أن معظم تلك الأرقام، تتضخم وتتفاقم يومياً، وأن معدّي التقارير يعملون دون أدنى شعور بالمسؤولية تجاه الشعوب الفقيرة، إلا أنه ليس مستغرباً، أن كل تلك التقارير لم تُشر إشارةً واحدةً إلى أن البلدان التي تحول أهلها إلى مشردين ولاجئين، هي دول غنية نهبتها الدول الاستعمارية، فلم يشيروا مثلاً إلى أن نيجيريا هي خامس أكبر مصدر للنفط إلى الولايات المتحدة، وأن زيمبابوي هي البلد الثالث في العالم بإنتاج معدن البلاتين الغالي الثمن، كما لم تذكر أن اليمن بلد مصدر للنفط والبن، وأن دولاً إفريقية من تلك التي ينهشها الاقتتال الداخلي كغانا والكونغو وبوتسوانا و أنغولا وسيراليون تتربع على عرش مناجم الألماس في العالم (تحتل غانا المرتبة الرابعة عالمياً)، إضافة إلى غناها بالنفط والغاز الطبيعي. وبالتأكيد لم يُشر أيٌّ من تلك التقارير إلى غنى سورية بالأقماح والأقطان والنفط وغيرها من الثروات الباطنية، كما لم تذكر المفوضية أن تلك البلدان نشبت فيها حروب غذّتها دول الاستعمار بهدف إضعافها ومن ثم نهبها.
ليس مستغرباً هذا التصرف، لأن المنظمة الأم (الأمم المتحدة) التي تتبع لها تلك المفوضية، يحكمها صهاينة يتحاشون أن تصدُر أية تقارير تفضح مصالح إسرائيل من تلك النزاعات الداخلية، في تلك البلدان الفقيرة، فإسرائيل ذاتها لا تخفي تزويدها لبعض الدول الإفريقية بالسلاح والعتاد الحربي مقابل حصولها على الألماس الخام (تساهم صناعة الألماس سنوياً بمبلغ مليار دولار في ميزانية وزارة الدفاع الإسرائيلية)، كما لم تُخفِ دعمها للتنظيمات الإرهابية في سورية ودعمها للعدوان الأمريكي على العراق وتشجيعها لمملكة الرمال في حربها على اليمن.
ويلاحظ أيضاً خلو تقارير تلك المفوضية التي يفترض أنها سامية، من أية إشارة إلى أن كل البلدان التي شُرد وهُجر أهلها، كانت في فترة ما بعد الحرب مشروعاً استثمارياً ناجحاً (مشاريع إعادة الإعمار)، وميادين واسعة عملت فيها الجيوش المأجورة والمرتزقة من أمثال (بلاك ووتر) وأخواتها.