بايدن ونتنياهو .. الاختلاف في الرأي لا يفسد المودة

د. نهلة الخطيب:

كلنا يدرك العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، شراكة تاريخية ترجمت على شكل مساعدات سياسية وعسكرية ومالية، ساهمت في تطوير الجيش الإسرائيلي حتى أصبح أكثر الجيوش تقدماً في العالم، وترتب على الولايات المتحدة الأمريكية واجباً أخلاقياً في الدفاع عنها، بل الدفاع عن مصالحهم، (فلولا إسرائيل لما كان لهم موطئ قدم في الشرق الأوسط)، بعد عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول، الصدمة الأمريكية تعدّت الصدمة الإسرائيلية، واستنفرت الإدارة الأمريكية، فبدأت بزيارة بلينكن وأود أوستن وغيرهم لإسرائيل، ثم بايدن نفسه، وأصدرت تصريحات تؤكد الدعم غير المشروط لإسرائيل، لم يكن الموقف الأمريكي داعماً فقط، بل مشاركاً بآلتها العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية والإعلامية.

وبرصد المواقف الأمريكية التي أطلقها بايدن منذ بداية الحرب على غزة، بدأت بالانحياز المطلق متفاخراً بصهيونيته، وحقّ إسرائيل في الدفاع عن النفس، والرد الاسرائيلي كعادتهم كان وحشياً دون رادع واتبعوا سياسة الأرض المحروقة والتهجير الجماعي وتزايد عدد الشهداء فتجاوز العشرين ألف شهيداً في القطاع (حرباً لا هوادة فيها) كما قال نتنياهو، وبايدن متغاضياً عن المجازر التي ترتكبها اسرائيل بحق المدنيين نساءً وأطفالاً، فلولا الضوء الأخضر الأمريكي لحكومة نتنياهو، وبوارجه المرابطة في المتوسط، والجسر الجوي العسكري الذي يحمل أطناناً من الذخائر والمعدات، لم يكن بإمكانهم أن يفعلوا ما فعلوه، وعمل بايدن على إدارة الصراع الدائر تماشياً مع المصالح الاسرائيلية التي تعتبرها واشنطن أولويات الولايات المتحدة الأمريكية، يقول أرون ديفيد ميلر (المفاوض السابق في شؤون الشرق الأوسط): (ارتباط بايدن بإسرائيل متجذر بعمق في حمضه النووي السياسي، سواء أحب ذلك أم لا، فهو في خضم أزمة سيتعين عليه إدارتها).

بعد الاندفاع الأولي الأمريكي في الوقوف مع إسرائيل، نرى التأكيد على احترام قوانين الحرب والحفاظ على حياة المدنيين، ثم طرأ تغيير ما على الموقف الأمريكي جاء على لسان بايدن أن إسرائيل تخسر دعماً للمجتمع الدولي مع تزايد المظاهرات المؤيدة للشعب الفلسطيني التي عمت أنحاء العالم، وتدهور مكانة إسرائيل الدولية، ووجه انتقاداً لنتنياهو ودعاه لتغيير حكومته إلى حكومة أكثر واقعيةً وتعاوناً، وتحديداً سموتريتش وإيتمار بن غفير، الذي يرى أن قيام دولة فلسطينية يعني نهاية إسرائيل، مما يجعلنا نتساءل عما وراء هذا التحول ؟؟؟!!

ربما يتعلق التحول في المواقف الأمريكية، بإدراك واشنطن للعزلة الدولية المتزايدة التي تواجهها لدعمها إسرائيل وممارستها لسياسة المعايير المزدوجة، وإصرارها على استخدام البلطجة لرفض مشروع قرار لوقف إطلاق النار في مجلس الأمن، أو ربما الأمر يتعلق بانتخابات الرئاسة المقبلة واللوبي الصهيوني، بعد إعلان بايدن نيته خوضها، وشعوره بالثمن السياسي الذي سيدفعه لوقوفه إلى جانب إسرائيل، إذ إنه يعاني تراجعاً هائلاً في شعبيته، وخوفه من فقدان كتل صوتية هامة بعد إعلان الجاليات العربية والمسلمة مقاطعة الانتخابات المقبلة.

ولكن هذه المواقف كما قال الدبلوماسي الأمريكي نبيل الخوري: (كلمات، كلمات، كلمات)، عديمة الجدوى ولا أهمية لها، فإسرائيل هي الخطيئة الأمريكية، والاختلاف بينهما ليس على المبدأ بل على التفاصيل الصغيرة، وهذا بالطبع لا يوقع خلافاً بين الطرفين، وتخلي واشنطن عن اسرائيل، فواشنطن ما تزال منخرطة في الحرب على غزة والجيوش والدفاعات الصاروخية منتشرة لحماية اسرائيل، ولا يمكن الحديث عن تغير المواقف الأمريكية إلا حينما تتوقف شحنات الأسلحة إلى إسرائيل، قالت صحيفة الغارديان أن تصريحات بايدن تعكس انقسامات متزايدة حول ما يحدث بعد الحرب، إذ ترى واشنطن أن تحكم غزة السلطة الفلسطينية، وبدء مسار سياسي ينتهي بحل الدولتين، وهو اقتراح لم يلق ترحيباً من اسرائيل. ولم يقتصر الخلاف على الحرب في غزة وإنما بخصوص المستوطنين اليهود وتسليحهم، وتصاعد أعمال العنف والاعتداءات من قبلهم بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية.

لا أعتقد أن هناك تحولاً أو تبايناً للمواقف الأمريكية، بل هناك مصالح اقتصادية واستعمارية أمريكية في منطقة الشرق الأوسط وليست فقط في فلسطين، وفلسطين ماهي إلا الخط الأول للدفاع عن الأمة العربية ومحاولات السيطرة على نفطها وغازها وثروات العالم العربي، جرت أحاديث عن مشاريع كنا نعتقد أنها غير ممكنة، ولكن الآن بدأ تنفيذها، مشاريع الممر الاقتصادي الذي يربط الهند بالغرب مروراً بالشرق الأوسط، من أجل مواجهة خط الحرير الصيني ومواجهة الصين وتمددها في المنطقة، وهذه الخطوط كلها تمر من فلسطين المحتلة وعبر قطاع غزة، وإسرائيل مستفيدة كما أمريكا والغرب ومستمرة وستستمر بحربها في غزة للقضاء على المقاومة الفلسطينية، وعلى كل القوى التي يمكن أن تؤثر على أمنها الاستراتيجي، إلى أن يتم تنفيذ هذه المشاريع، وإنشاء خطوط حصرية لأمريكا والغرب تسمح لهم بنهب النفط والغاز والثروات العربية.

مع الأسف، الدول العربية التي يجب أن يكون لها دور في وقف هذه الهمجية ضد الشعب الفلسطيني، نرى أنها مرتبطة بالغرب من الناحية الاقتصادية، بعض الدول يتم تهديدها بقطع المساعدات، والبعض بوقف إمدادات القمح، ودول أخرى والتي هي أكبر مصدر للنفط والغاز بالعالم، ليست لديها إمكانية استخدامه للضغط على إسرائيل والدول الغربية، وبالتالي العالم العربي أمام موقف لا يحسد عليه، وما بقي للإنسان العربي حالياً سوى الدعاء والبكاء!! وفيما لو حدث أي تغيير بالمواقف الأمريكية، ليست رغبة لوقف إراقة الدماء، ووقف المجازر، وإنما لأن المقاومة الفلسطينية في غزة تنتصر، وما نشاهده الآن أن الوضع العسكري لإسرائيل يكشف التراجع المعنوي ومدى الرعب والجنون الذي يعيشه الجندي الاسرائيلي المدجج بالدروع وأحدث الأسلحة مقابل ذلك النوع من الفلسطينيين الذين لم ولن يرفعوا الراية البيضاء حتى النصر.

العدد 1188 - 25/02/2026