مقدمات لعودة الدب الروسي لمواجهة أمريكا
د. نهلة الخطيب:
لطالما كانت منطقة الشرق الأوسط أحد الأهداف الحيوية للدول الكبرى، بل وأحدَ أهم أسباب نزاعاتها، ويعود ذلك لأهمية هذه المنطقة الجيوستراتيجية في حركة السياسات الدولية وحساسية الثروات النفطية التي فيه، ويجري الآن رسم خارطة جيوسياسية وملامح لنظام عالمي جديد فيه تحالف شرقي: صيني روسي إيراني، إطاره ميثاق الأمم المتحدة الذي كرس مفهوم السيادة وحقوق الإنسان وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، وجوهره توازنات القوى التي تتحكم في الصراعات. الأمر قد يحتاج إلى سنوات، وأي حلول أو تسويات قد تكون آنية لتجنب انفجار الصراع بين القوى العظمى، بعد أن أظهرت الحرب في أوكرانيا عبثية اللعب على حافة حرب عالمية ثالثة، وكجزءٍ من انخراط روسيا الأعمق في الشرق الأوسط، الذي تزامن مع فشل الهجوم الأوكراني المضاد في الصيف، وعدم تحقيق نجاحات عسكرية برغم الدعم الأمريكي الغربي اللامتناهي لأوكرانيا، وعدم حسم الحرب، واستيعاب الاقتصاد الروسي لصدمة العقوبات الغربية، والتركيز الدولي على الحرب في غزة، تسعى روسيا إلى تعزيز مكانتها كفاعل أساسي في شؤون المنطقة عن طريق انخراطها في قضاياها الشائكة، وترتيب الخارطة السياسية للشرق الأوسط الذي تسهم حرب غزة بتحديدها، وما كان لبوتين المفعم بالثقة إلا أن يقدم نفسه كلاعب دولي مستقل وموضوعي، وخاصة بعد أن أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية الانحياز المطلق لإسرائيل، في رحلة البحث عن حلّ لتسوية الصّراع العربي الإسرائيلي وإقرار السلام والاستقرار واحتواء أي محاولة لدفع المنطقة الى الهاوية، وهي مكانة لطالما توقّاها بوتين.
وسط تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، وتزايد المخاوف من توسع الصراع فيه بعد دخول الحرب في غزة شهرها الثالث، والتي تلقي بثقلها على حكومات الدول الغربية والعالم أجمع، دون تحديد زمني لهدنة ووقف لإطلاق النار، وبشكل مفاجئ يخرج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من عزلته الدبلوماسية معلناً عودته الى الساحة الدولية، بمرافقة أربع طائرات مقاتلة سوخوي35 في طريقه إلى الشرق الأوسط لزيارة السعودية والإمارات متحدياً أمريكا، يتحدث عن علاقات راسخة مع عدة دول خليجية، ولأن الإمارات والسعودية لم توقعا على معاهدة روما، فإن أوامر الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية لا تسري على بوتين، الذي يواصل مساعيه إلى تعاون تجاري جديد مع الإمارات في ظل العقوبات الاقتصادية الغربية، التي لم تنضم الدول العربية إلى أي منها بل على العكس، فالإمارات أصبحت المركز الدولي الرئيسي للشركات الروسية وطريقاً للتحايل على العقوبات الغربية، وهي الشريك التجاري لروسيا في العالم العربي، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بينهما إلى 9 مليارات دولار في العام الفائت، وهو مرشّح للارتفاع أيضاً هذا العام، ويجري حالياً تنفيذ مشاريع مشتركة للطاقة حسب ما قال بوتين: (شركات غاز بروم ولوك اويل ونوفاتك الروسية تنفذ مشروعات كبيرة مع أدنوك الإماراتية). المحطة الثانية كانت السعودية حيث أشاد بوتين بالعلاقات بينهما، فقد وصلت إلى مستوى غير مسبوق، ورغم أن مباحثات بوتين ومحمد بن سلمان جرت خلف أبواب مغلقة لحساسية الملفات وخطورتها، إلا أنها شملت الصراع في غزة وأوكرانيا، وأزمات المنطقة في السودان واليمن وليبيا وسورية، وطريقة التعامل معها، التعاون بين البلدين في مجموعة أوبك بلس، وتعزيز مكانة روسيا في قطاع الطاقة باعتبار البلدين أكبر منتجي النفط في العالم. تزامنت هذه الزيارة بعد قرار مجموعة منتجي النفط في أوبك تمديد خفض إنتاجها بنحو 2,2 مليون برميل يومياً، وإعلان روسيا نيتها تعزيز خفضها لإنتاج النفط إلى 500 ألف برميل يومياً حتى نهاية أذار 2024، وهي محاولة للحد من أثار تشديد العقوبات المفروضة على روسيا ولضمان استقرار سوق النفط وحمايته من الركود وتعزيز الأسعار العالمية، قال بن سلمان: (إننا نتشاطر اليوم كثيراً من الملفات التي نعمل عليها معاً لمصلحة روسيا والسعودية والشرق الأوسط والعالم أيضاً)، لتأكيد أهمية البلدين في الحفاظ على كلٍّ من: أمن الطاقة، وأمن الشرق الأوسط، مع تراجع الهيمنة الأمريكية في الشؤون الدولية.
بعد جولة بوتين الخليجية بيوم واحد كان لقاؤه مع الرئيس الايراني إبراهيم رئيسي في موسكو، تعهد البلدان الخاضعان لعقوبات غربية تعميق علاقتهما الاقتصادية والعسكرية، التي أصبحت أحد مفاتيح الدبلوماسية الروسية، ولاسيما الاستخدام المكثف للطائرات المسيرة الايرانية الصنع في أوكرانيا، إضافة إلى أن إيران تشكل الداعم الرئيسي للمقاومة في غزة ولبنان واليمن، وربما ما يسعى له بوتين هو لعب دور الوسيط عبر علاقاته القوية مع إيران وتركيا، والآن مع الدول الخليجية، بعد أن أُعلن انضمام السعودية والإمارات لمجموعة (بريكس) التي ستترأسها روسيا العام القادم، ونيّته أن تكون متينة في ظل التطورات الأخيرة لا سيما اتفاق المصالحة بين إيران والدول الخليجية، والعزلة التي تعاني منها الدبلوماسية الأمريكية وسعيه لملء هذا الفراغ، نتيجة تخبطات السياسة الأمريكية التي فقدت الكثير من مصداقيتها في الخليج والشرق الأوسط عموماً، وخاصة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ما انعكس سلباً على تحالفاتها في المنطقة، ورغبة دول المنطقة في شراكات دولية تخدم مصالحها وتدخل ضمن معادلة موازين القوى الجديدة، فسعى بوتين إلى الظهور بصورة أكثر توازناً في نهجه من المقاربة التي تتبعها الولايات المتحدة وإلى إظهار روسيا كبلدٍ سيحقق نجاحاً حين فشلت واشنطن.
موقف روسيا بشأن الصراع العربي الإسرائيلي ليس بجديد، فهي مع حل الدولتين وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة، ولكن هناك متغيرات جديدة، بالرغم أن إسرائيل وقفت دور المحايد في الحرب الروسية الأوكرانية، وربما هناك توافقات في إدارة العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد الوجود الإيراني في سورية، ولكن اندلاع الحرب في غزة ورد الفعل الأمريكي عليها، وتكهنات حول حدوث تفاعلات استراتيجية خطيرة ووشيكة للمنطقة كلها، كإحياء سيناريو شرق أوسط كبير، وهذا ما يراهن عليه نتنياهو الذي لم يطلق كلاماً عبثياً حول تغيير الشرق الأوسط، وضع صفقة القرن على الطاولة، بعدما صدرت إشارات حول إعداد الحكومات الغربية لمؤتمر دولي للنظر في خرائط المنطقة، ربما سايكس بيكو جديد، ومحاولة استصدار قرار من مجلس الأمن يتعلق باستحداث منطقة عازلة تمتد إلى ما بعد الليطاني على أساس الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، كل ذلك أدى إلى تعديل روسيا لموقفها، مما سيؤدي إلى تدهور نسبي للعلاقات الإسرائيلية الروسية، وسينعكس على محاولاتها لبناء نوع من التحالفات المناهضة لأمريكا، وخاصة أن بايدن وضع روسيا وايران وحماس في خندق واحد، وأن كل هذه العمليات تـأتي من المنهج التحالفي ذاته. والأمريكيون يتهمون الروس بمحاولة تضليل حلفائهم من خلال تقارير وطروحات لا تمت بصلة.
الحرب في غزة كانت فرصة لمحاولة بوتين البقاء على الساحة الدولية، وخاصة بعد أن تحولت الأنظار الغربية ولم تعد مركزة على الحرب في أوكرانيا، واستعراض مدى قربه من العالم العربي والإسلامي، فهو يسعى إلى تعزيز موقفه في الشرق الأوسط والثأر من واشنطن وحلفائها الغربيين عبر بوابتي الرياض وأبو دبي، وفرصة لتصعيد ما وصفها بالمعركة الوجودية مع الغرب من أجل فرض نظام عالمي جديد ينهي الهيمنة الأمريكية، وعودة روسيا إلى ما كانت عليه كقوة عظمى في نظام عالمي متعدد الأقطاب وتكوين تحالفات إقليمية ودولية بمعنى المصالح الخاصة كانت المحدد الأبرز لهذه السياسة، سعي روسيا لأن تكون لاعباً دولياً، وبذلك لا يمكن اعتبار القضية الفلسطينية بمعطياتها وأطرافها أكثر من أداة لتحقيق الطموح الروسي العالمي، فالمساعي الروسية في مجلس الأمن لوقف إطلاق النار لم تكتسب موقعاً ذا أهمية.
فهل تعيد روسيا أمجاد الاتحاد السوفييتي عندما وجهت موسكو إنذاراً بالتدخل نيابة عن الجانب العربي خاصة بعد محاصرة الجيش الاسرائيلي للجيش المصري، واستدعاء القوات الجوية والبرمائية وإدخال الأسلحة النووية إلى البحر المتوسط في حرب تشرين 1973، ونرى سفناً روسية متجهة إلى الشرق الأوسط، ويكون بوتين كخلفه بريجنيف يلعب دوراً استراتيجياً ونداً في مواجهة أمريكا، لإغاثة الفلسطينيين وتحقيق العدالة في بقعة غُيّبت عنها العدالة لعقود طويلة!!