الحكمة.. والغباء المُستحكم

د صياح فرحان عزام:

يقول أكثر من باحث في الشؤون السياسية ومتابع للأحداث التي تجري وتداعياتها وتطوراتها، يقولون: يبدو أن الغباء مستحكم بقوة في دوائر صنع القرار في العواصم الأوربية التي تدعم النظام الحاكم في أوكرانيا، بحيث أن هذا الغباء لا يسمح بسماع الأصواع الشعبية والعالمية الداعية إلى السلام وإنهاء هذه الحرب التي يخوضها نظام زيلينسكي نيابة عن الإدارة الأمريكية وحلف الناتو، خاصة أن العالم أجمع متخوّف من أن تصعيدها من قبل واشنطن والعواصم الأوربية الحليفة لها، قد يجرّ العالم إلى كوارث وجودية غير مسبوقة.

الملاحظ أن هؤلاء الباحثين الذين تحدثوا عن الغباء الأوربي استندوا إلى وقائع، منها على سبيل المثال، ما قاله كيسنجر الذي يقارب عمره مئة عام، والذي لا يزال من المراجع المهمة في مسائل السياسة الدولية، وخاصة ما يتعلق بالشؤون الروسية والصينية، ذلك أنه بعد العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، ابتعد في إطلالاته الإعلامية القليلة أو حتى النادرة، عن أساليب الحماس والتحريض ضد روسيا، التي تتبعها الإدارة الأمريكية، والقيادات الأوربية الحليفة لها، ودعا كيسنجر مقابل هذا التحريض والتجييش إلى ضرورة أخذ مصالح روسيا كدولة عظمى بالحسبان عند مناقشة أي تسوية سلمية للوضع في أوكرانيا، وحذر من محاولات إضعاف روسيا، ومواجهة ردة فعل لا يمكن السيطرة عليها.

في عام 2014 كتب كيسنجر مقالة في صحيفة واشنطن بوست قال فيها تعقيباً على الموقف الغربي من الوضع في أوكرانيا آنذاك، بعد استعادة روسيا لشبه جزيرة القرم، قال: (في حياتي رأيت أربع حروب بدأت بحماس كبير ودعم شعبي، لم نكن نعرف كيف ننهيها، وانسحبنا منها من جانب واحد). هذا الوصف المبكر ينطبق على واقع الحال اليوم، بعد أن تحولت الأزمة في أوكرانيا إلى حرب عنيفة تشكل تهديداً وجودياً للعالم.

ومن المعروف أن كيسنجر ليس من المحللين السياسيين المبتدئين أو الهواة، بل هو سياسي مخضرم وصانع سياسات من طراز نادر وماكر في الوقت نفسه، وهو أحد العقول الأمريكية الاستراتيجية المطلعة على جميع التفاصيل المتعلقة بالعلاقات الدولية، وهو حين ينصح بضرورة وسرعة التفاوض مع موسكو، فهو يبني موقفه هذا على قناعة بدأت تترسخ لدى الكثيرين في الغرب بأن هذه الحرب ستقود إلى مصير لا يمكن تخيله إذا لم تتوقف في أقرب وقت ممكن، وإذا لم توضع معايير ثابتة للسلام تضمن التعايش بين الدول الكبرى ولاسيما بين الولايات المتحدة وروسيا، وتراعي أمن الجميع (أمن الغرب وأمن روسيا) كما طرح الرئيس بوتين.

إن ما يؤخذ على الدول الأوربية أنها لم تتقدم بمبادرات جادة للسلام، وقبل ذلك لم تتجاوب مع المبادرات التي قدمها الرئيس الروسي بوتين، والتي ترتكز على وجوب مراعاة أمن جميع الدول، بل انخرطت في التوجه الأمريكي بضخ مختلف أنواع السلاح إلى أوكرانيا، وبضمن ذلك: السلاح الفتاك، والمعلومات الاستخبارية والتدريب، إضافة إلى الأموال، لدعمها في مواجهة روسيا وعلى أمل إلحاق الهزيمة بالجيش الروسي وكسر شوكة الكرملين، إلا أن ما حصل أن ذلك الدعم المستمر ساهم في إطالة أمد النزاع، وبدأت الفرضيات الأوربية والأمريكية تتداعى واحدة بعد الأخرى، كما دفع روسيا إلى التشدد والتمسك بمواقفها العادلة، والتصميم على الاستمرار في عمليتها الخاصة حتى تحقيق أهدافها مهما طالت هذه الحرب ومهما تطلّبت، وقد جاء اجتماع الرئيس الروسي بوتين مؤخراً بالقادة العسكريين ليؤكد هذا التصميم الروسي، وربما ليشكل رداً على زيارة زيلينسكي لواشنطن لطلب أسلحة نوعية ومساعدات مادية أكبر، علماً بأنه لم تلبَّ كل مطالبه، كما ذكرت بعض الأنباء.

على أي حال، ما يجري في واشنطن والعواصم الأوربية المؤيدة لها، يؤكد أن لا نهاية قريبة لهذه الحرب التي دبرتها واشنطن للحفاظ على هيمنتها على العالم، ولكن الأمر اللافت للنظر أن أوربا ماضية في طريق الغباء والضياع.

 

العدد 1188 - 25/02/2026