لا تحرموا المرأة من جرأتها!
تهامة الدعبل:
عانت المرأة العربية على مرّ العصور اضطهاد المجتمع وهيمنته وتدخل السلطة الأبوية والذكورية في حياتها وفي أبسط قراراتها، حتى إنها كانت لا تجرؤ على إبداء رأيها في اختيار ما إن كانت تريد إكمال دراستها أم لا، أو حتى اختيار شريك حياتها وغير ذلك من أمور حياتها، لكن مع مرور الوقت استطاعت أن تُعبّر عن ذاتها وترفع صوتها وتنتزع حقوقها بجرأة، وكانت هذه الجرأة ضرورية لتطوير المجتمع وسموِّه. ولكن على الرغم من ذلك ما تزال كلمة الجرأة في المفهوم العربي تحمل معانيَ مذمومة، حتى أنها تُعدُّ إهانة في بعض الأحيان، فما مدى صحة هذا الاعتقاد؟
في مجتمعنا هناك خلط واضح ما بين الجرأة بوصفها مطلباً لانتشار الفكر الواعي والثقافة، والغطرسة والهيمنة، وتفصل شعرة صغيرة ما بين الجرأة واللاأخلاق (الوقاحة)، حتَّى أنَّ كلمة جريئة باتت تطلق على الفتاة للإشارة إلى انعدام أخلاقها، وكثير من الرجال باتوا يتجنبون الارتباط بالفتاة الجريئة للسبب ذاته، لذا وجب علينا في البدء فهم الجرأة فهماً عميقاً، مثلما علينا معرفة من هي المرأة الجريئة، وماهي مواصفاتها، ولماذا الرجل يحب الأنثى الجريئة ولمَ يخشى البعض تلك الجرأة؟
أعتقد ان ما يخشاه الرجال من المرأة الجريئة هو أمور تعود لسيكولوجية الرجل، إن المرأة الجريئة لديها بعض الغرور، إذ تتميز المرأة الجريئة بالثقة، ولكن هناك خط رفيع بين الثقة والغرور الذي يظهر المرأة أنانية ومنغمسة في نفسها إلى حد لا يرغبه الرجل، فالرجل يرغب بالمرأة السلسة المتواضعة، وهو كثيراً ما يخلط بين ثقتها بنفسها وغرورها، وقد يكون الخطأ عائداً لنظرته الخاطئة نحوها، أو أن المرأة فعلاً قد قطعت شعرة معاوية كما يقال بين الثقة الكبيرة والغرور.
كثيراً ما يقال في وصف الجرأة عند النساء أنها تصل حدود انعدام الأنوثة، وهذا ما لا يرغبه الرجل، بل ويخشاه، إذ كثيراً ما تصل المرأة في دفاعها عن حقها حدود الصوت المرتفع والمواجهة القاسية، وهذا ما يُفقدها بعض أنوثتها حسب الصورة النمطية السقيمة عن الأنثى التي يجب أن تكون رقيقة جداً وذات صوت هادئ، وعدا ذلك يشعر الرجل أنها فقدت أنوثتها.
أكثر ما يخشاه الرجل من المرأة الجريئة هو التحكّم والسيطرة، فقد تحاول المرأة الجريئة فرض سيطرتها على العلاقة، الأمر الذي يستفز الرجل، فهو بطبعه يحب السيطرة، ولا يحب أن تتحكّم الأنثى بتفاصيله اليومية، فيخشاها وينسحب، شعور الرجل بأنها ليست بحاجته قد يكون أكثر ما يخشاه الرحل في المرأة الجريئة، ويستمتع الرجل بشعوره بحاجة المرأة لوجوده، وقد تحاول المرأة الجريئة تحقيق أهدافها دون مشاركته، ليقينها بقدرتها على تحمّل مشاكلها وحلّها بمفردها متجاهلةً وجود شريك آخر في حياتها.
فالمرأة الجريئة هي المرأة التي تعرف ما تريده في الحياة ولديها قناعة بالاتجاه والمسار الذي تسلكه في حياتها دون السماح لأي شخص بتحديد هويتها، فهي قوية ومندفعة للقيام بكل ما ترغب به وتجده صحيحاً، وتمتلك مواصفات تعكس من خلالها قوة شخصيتها وحضورها بمجتمعها، وهذه الصفات تُعدُّ بمثابة شروط للتفريق بين المرأة الجريئة القوية، والمرأة الطائشة المتهورة.
من صفاتها التي تميّزها أيضاً: الثقة بالنفس، فهي تمتلك هويتها وتتفاخر بها ولا تدع الآخرين يهاجمونها بآراء قاسية وبحدة، فتنتصر على المحن وتثق بإنجازاتها.
كما أنها صادقة مع نفسها بشأن أخطائها لكنها قادرة على التغلب عليها. المرأة الجريئة صادقة في كل ما تفعله، وتقول بصراحة ما تشعر به حقاً دون أن تُقلّل من الآخرين، تتميّز بتفاؤلها بالحياة.
الأنثى الجريئة عزيزي القارئ تمتاز بالاحترام والأخلاق، تمتلك القدرة على فرض الاحترام وليس طلبه، فهي تضع حدوداً صارمة وتلتزم بها لتظهر للآخرين كيفية احترامها لأنها تعرف جيداً أنها تستحق الاحترام.
الجرأة عند الأنثى تعني الشجاعة وطلب حقوقها بلا خجل، وهنا يظن البعض أنها وقاحة، ولكن الوقاحة هي أن تحرم إنساناً من حقوقه فقط لميوله الجندرية، أن تحكم عليها فقط لأنها انثى، هنا نقول نعم الجرأة تكون مطلب حقّ، وخصلة يجب أن تتحلّى بها المرأة في مجتمع يُحرّم ما يحلو له ويُحلّل ما يحلو له وفقاً لمزاحه الذكوري والسلطة الأبوية لقيم التعامل في مجتمعات غير متطورة.
الجرأة هي قدرتك على عرض أفكارك والدفاع عنها بوضوح وبحجة وبرهان بهدف إقناع الطرف المقابل فيها، وهذا ما فعلته النساء العربيات على مرّ الزمان خلال مطالبتهنَّ بحقوقهن، لكنَّ كثرة القيود المفروضة عليهن وضغوطات الحياة والثقافة الدخيلة بسبب وسائل التواصل الاجتماعي قد شوّهت مفهوم الجرأة، وباتت الفتاة تُعبّر عن أفكارها بأساليب خاطئة تسلب قضيتَها قوتَها، وتجعل الصراع الجندري أكثر تعقيداً.
إن ما تحتاجه الأنثى العربية هو بالضبط ما يحتاجه الذكر العربي: التحرّر من قيود الماضي والعادات والتقاليد الباليه التي كانت لزمانٍ ليس زماننا، وقيم لم تعد قيم عصرنا المتحدّث المتمدّن، فعلى سبيل المثال لا الحصر، كان خروج المرأة من بيتها في عهد مضى انتهاكاً للأخلاق والعرف والعادات، ولكن مع النضال المطلبي للنساء حول العالم أصبح خروجها حقاً مشروعاً لا منّة يقدمها أحد، بل إذا تحدثنا بشكل علمي وحسب آراء علم الاجتماع أكثر، نرى أن الواقع الاقتصادي والصراع الطبقي يلعب الدور الأساس في تحجيم دور المرأة ومكانتها وحرّيتها في اتخاذ قرارها واستقلاليتها الحقيقية لأنها نصف المجتمع والمربّي لنصفه الآخر.
إن تحرّرها الحقيقي وتخليها عن قيودها التي فرضها بقايا الإقطاع والموروث الكهنوتي يعطي للمجتمع عجلته الثانية ليسير نحو التطور والتقدم والحضارة.
إن أي مجتمع يسير بركب تحرّر الرجل وجرأته فقط، إنما هو كمركبة عرجاء فقدت إحدى عجلاتها، إن التحرّر يكون كاملاً دون نقصان، وليكون المجتمع جريئاً يجب أن تكون الجرأة للمرأة والرجل على حدٍّ سواء.
ليكون المجتمع متطوراً وسليماً علينا ألاّ نبخس المرأة حقها في التعبير عمّا تحب وما تكره، ألاّ نقمع صوتها حين تقول أنا عاشقة وتُعبّر عن هذا بجرأة، أن لا نُسكِت صوتها حين تقول أنا أريد ان أعمل بظروف أفضل بحقوق أفضل، إن مفتاح الوصول إلى حياة كريمة تبدأ حين يصرخ الإنسان طالباً حقّه بجرأة، لنقف على باب العدالة، ولأن العدالة أساس الملك في الارض، لا تحرموا المرأة من جرأتها.