من أرشيف نقابي قديم
بقلم النقابي نادر طويلة:
جاء تطور القطاع الإنشائي العام كضرورة موضوعية للنهوض بأعباء التنمية، وإنجاز المشروعات الكبرى التي بدأت بها الدولة، والتي كان في مقدمتها مشروع سد الفرات، وتوسيع شبكة الخطوط الحديدية والطرق والبناء وغيرها، وكان لإحداث شركات الإنشاءات العامة نتائج ذات أهمية اقتصادية واجتماعية ووطنية كبيرة، فقد كانت سورية من البلدان القلائل التي اعتمدت في بناء مشروعاتها الضخمة إلى حد كبير على اليد العاملة والخبرات الوطنية، وقد أنجزت المشروعات ضمن شروط ومواصفات جيدة، وقد تأهل نتيجة ذلك كادر وطني في مختلف مجالات البناء والتشييد.
واستمراراً لما تحقق من بناء سد الفرات، أصبحت الحاجة ماسة لاستصلاح الأراضي، فقد تم أُحدثت الشركة العامة لاستصلاح الأراضي منبثقة عن المؤسسة العامة لسد الفرات، وقد أهدى الاتحاد السوفييتي سورية مزرعة نموذجية أنشئت في منطقة مسكنة، التي تبعد عن حلب حوالي تسعين كيلومتراً، وعن مدينة الثورة ستين كيلو متراً.
وعمال هذه الشركة وفنّيّوها ومهندسوها هم من مدرسة سد الفرات، التي خرّجت خيرة الكوادر الفنية المشهود لها بالخبرة والدقة وحسن الإنجاز، وقد أُحدثت نقابة لهذا التجمع العمالي الكبير والمترامي الأطراف على مساحات واسعة من الأراضي، والأعمال ذات الطبيعة المختلفة عن أعمال بناء السد متضمنة شق الأقنية وإكساءها، وإجراء تخليص التربة من الملوحة عبر غسل التربة وفتح أقنية صرف مغطى، وقد كان للنقابة دورٌ بارز في زيادة الإنتاج وتحسينه عبر دعم العمال في مواقع العمل الميدانية، وهم يعملون على شق الأقنية بالكراكات، وصبّ الأقنية ومد الخطوط في أقنية الصرف المغطى، وفتح شبكة الطرقات وتأمين لوازم الإنتاج، وقد وصلت التعويضات إلى ضعفَيْ الراتب أو أكثر من خلال تنفيذ النورمات الإنتاجية، وقد عمل التنظيم النقابي على تنظيم مباريات إنتاجية، بالتعاون والتنسيق مع الإدارة العامة، وكان لهذه المباريات أثرٌ كبير في الإسراع بتنفيذ الأعمال وفق المواصفات الجيدة. وقد تحمل العاملون عناء السفر صباحاً ومساء، إضافة إلى إقامة أيام عمل وطني قدّمها العاملون دون مقابل مادي وإنما بشعور وطني، ومشاركة تنتفي فيها روح الأنانية.
كان يتوجه العاملون إلى النقابات لإنصافهم في الترفيعات السنوية وطبيعة العمل، والعمل الإضافي، وقد كان النقابيون يبذلون كل إمكاناتهم لتأمين الحقوق اللازمة والمشروعة للعاملين، لا يألون جهداً في المطالبة بتحقيق العدالة للطبقة العاملة، وقد أجرى مندوب (صوت العمال) في الإذاعة السورية لقاء مع النقابيين في موقع العمل بمسكنة، وقد طالب النقابيون بصوت مرتفع بتأمين الألبسة والأحذية الوقائية للعاملين وتطوير نظام طبيعة العمل وساعات العمل الإضافي بما ينسجم والحالة الاجتماعية للعاملين، وقد كان لهذه المقابلات أثر إيجابي في نفوس العاملين، وقد سأل معدّ اللقاء قائلاً: إن حوادث الطلاق أصبحت ظاهرة في مدينة الثورة والطبقة، وقد أجبنا لمَ لا يكون هذا والحالة الاجتماعية مهملة، إذ يذهب العامل إلى عمله في ساعات الصباح الباكر، ويعود وقد مالت الشمس إلى المغيب قائلاً:
(من الفرشة للورشة)، دون الأخذ بالحسبان إنسانية هذا العامل وواجباته الاجتماعية.
وطالب النقابيون أيضاً من الإدارة العامة تأمين احتياجات العمل، من ألبسة وأحذية عمالية، وتخصيص بيض وحليب للعمال الذين يتعرضون أثناء العمل للمواد والأبخرة السامة، وقد جرت الإشارة إلى مقررات مؤتمر القيادة المركزية للجبهة التي أكدت ضرورة تحسين الأحوال المعياشية للجماهير الشعبية ووضع حد للغلاء وضمان التوازن ما بين الأجور والأسعار، وتحسين الرواتب والتعويضات عبر سلم الأجور من أجل المحافظة على الكوادر الفنية، وعدم نزوحها إلى القطاع الخاص أو إلى الخارج بما اكتسبته من خبرات عملية.
واستمر العمل النقابي يعنى بأوضاع العمال وينظم لهم الرحلات الترفيهية إلى المدينة العمالية في رأس البسيط، ويتابع تأهيل العاملين في معهد الإعداد النقابي ودورات الإسعاف، والإطفاء والأمن الصناعي.. إلخ.
وقد قام الاتحاد العام لنقابات العمال بعقد مؤتمرات كان أبرزها مؤتمر الإبداع الوطني والاعتماد على الذات، ومؤتمر استصلاح الأراضي ومؤتمر شركات الإنشاءات العامة، التي كان لها أثر كبير في دعم الإنتاج وزيادة الخبرات.