ضريبة السكن في المدينة

وعد حسون نصر:

اكثيرون منا هاجروا من قريتهم واتجهوا نحو العاصمة أو ريفها بهدف العمل، أو فرضت عليه طبيعة عمله الابتعاد عن مسقط رأسه، والسكن بالمدينة أو الدراسة، وباللهجة المحكية اتجه ليسكن (في الشام).

رغم ظنّ الكثيرين من أهل ضيعته أن هذا الشخص الذي اختار العاصمة هو شخص محظوظ إلاّ أن العكس صحيح، لأن هذا الريفي الذي اختار له القدر العيش في المدينة فرضت عليه ضرائب إضافية، لعلَّ أبرزها التخلّي عن حياة البساطة والنقاء والتصرّف بحكمة وخاصة بالعلاقات الاجتماعية وطريقة التعامل مع الآخرين لاسيما الجيران، كذلك تحمّل عبء مصاريف إضافية بسبب طبيعة الحياة ودخول أساليب جديدة للعيش على حياته. ولعلَّ الضريبة الأكبر أن سكن هذا الشخص سيصبح مكان إقامة لكل نزيل يأتي من الضيعة للمدينة قاصداً طبيباً أو جامعة أو إنجاز معاملات حكومية ورسمية، أو للدراسة أو لخدمة العلم ممّن يضطرون للإقامة المؤقتة في العاصمة، وهنا يجدون بيت قريبهم هو المكان الأنسب والأقلُّ تكلفة لهذه الإقامة. وأحياناً تطول الإقامة وتحديداً في الحالات المرضية والعمليات الجراحية، فتزداد معها الأعباء والمصاريف على المضيف، سواء من أجل الطعام أو مواد التنظيف والضيافة وما شابه، ويكون العبء الأكبر إذا كان الضيف من أصحاب الانتقادات والتنظير ولا يعجبه العجب، أو إذا كان حسّاساً ويعتبر أي حديث هو عبارة عن توجيه كلام لمسمعه، أو إذا كان (نمّاماً) ولا يحفظ سرّاً لما يراه داخل بيت المضيف، فتُصبح أسرار البيوت مشاعاً أمام الجميع. ولا ننسى فقدان الراحة والخصوصية بسبب الفوضى داخل المنزل طول فترة إقامة الضيوف، حتى ملابسنا يجب أن ننتقيها بحذر، كذلك لا يغيب الأمر عمّا يتعرّض له الأثاث من خلل أو تلف، وخاصةً إذا رافق الأطفال الضيف، وطبعاً هذا جزء من ضريبة الرفاهية كما يسميها البعض للساكن ضمن المدينة.

ولا ننسى فترة الأزمة وما نجم عنها من أضرار في فقدان الكثيرين لمنازلهم، ممّا اضطرهم للإقامة في منازل أقاربهم فترة مؤقتة أو طويلة ريثما يجدون لأنفسهم ملاذاً يقيهم ألم التشرّد، وهنا لا بدَّ أن تحصل بعض المشاحنات والخلافات بين المضيف والنازل بسبب اختلاف وجهات النظر والأسلوب والتصرفات وحتى العادات، لذلك رأينا كيف نشأت العداوة بين الكثير من العائلات وربما أصبحت دائمة وخسر فيها الأقارب صلة القربى والرحم. لذلك لابدّ أن نحرص في علاقاتنا الاجتماعية وخاصةً العلاقة بين الأقارب على مسافة أمان مفعمة بالخصوصية نكون من خلالها في المنتصف بين أن نفرد جميع أوراقنا والكتم عليها بالكامل، وبين فتح أبواب منازلنا على مصراعيها لأيام أو أشهر، وإغلاق نصفها على خصوصيتنا وراحتنا داخل المنزل، ولعلّ الظروف المادية الآن هي المتحكّم الأكبر في هذه العلاقات، لذلك علينا أن نقيس الظروف على أنفسنا وبعد ذلك نقيسها على الآخرين، فليس كل من اتخذ من المدينة أو من منطقة أخرى مكان إقامة له بات على قائمة المرفّهين، فنعتبر منزله مكان إقامة لنا أو (أوتيلاً) نرتاده متى نشاء. لذلك حافظوا على علاقتكم الأسرية والرابط الاجتماعي بينكم وبين أفراد عائلتكم من خلال وضع ضوابط للعلاقة ومراعاة الخصوصية وتعزيز فكرة أن للمنازل حرمتها، فلا يمكن أن ندخلها بأي وقت وتحت تأثير أي ظرف.

العدد 1194 - 15/04/2026