المكتوب | قصة بقلم الأديب السوري الساخر حسيب كيالي

ملحوظة أولى:

هذه القصة غير منشورة في الأعمال القصصية والروائية الكاملة للأديب السوري حسيب كيالي، التي أصدرتها وزارة الثقافة السورية. ولكنني أذكر أنها نُشرت في الملحق الثقافي لجريدة الخليج التي تصدر في إمارة الشارقة لدولة الإمارات العربية المتحدة في يوم الاثنين 12 تموز (يوليو) عام 1993 بعد أسبوع من وفاة حسيب كيالي في دبي، وكتب المحرر في التقديم: (هذه القصة لم تُنشر من قبل).

حاولت جهدي أن أعرف ما إن كانت القصة نُشرت في مجموعة (حكايات ابن العم) التي نشرها الشاعر السوري صقر عليشي صاحب دار نشر الينابيع في دمشق سنة 1992، فلم أصل إلى نتيجة. وما زلت أسأل الأصدقاء الذين بحوزتهم هذه المجموعة هل قصة (مكتوب) منشورة في المجموعة أم لا؟ والمجموعة القصصية (حكايات ابن العم) استبعدتها وزارة الثقافة السورية من الأعمال الكاملة، لأن فيها حديثاً عن قريب حسيب كيالي الذي (استوزر) في وزارة الثقافة السورية ذات مرة. حصلتُ على نسخة مصورة عن قصة مكتوب من جريدة الخليج بتعاون مشكور من الشاعر السوري الدكتور عبد الرزاق الدرباس، وهو من بلديات فيلسوف المعرة في ركايا (كفر سجنة) القريبة من معرة النعمان بلدة فيلسوف المعرة المكنّى بأبي العلاء المعري.

 

ملحوظة ثانية: تذكّرتُ أمراً، أغلب الظن_ وبعض الظن إثم_ أن قصة مكتوب منشورة في مجموعة قصص (حكايات ابن العم) لأن الجملة الأولى في القصة: (كان ابن عمي عبد الغفار نهارياً في حين أننا كنا داخليين، ويقال لنا الليليون)_ ليست غريبة عليَّ، هذه الجملة أظن أنني قرأتها في تلك المجموعة القصصية. والله أعلم. 

 

كان ابن عمي عبد الغفار نهارياً في حين أننا كنا داخليين، ويقال لنا (الليليون). من هنا كان حظه في الغزوات الغرامية أكبر من حظنا نحن الذين لا يحق لنا مغادرة المدرسة إلا بعد ظهر الخميس وسحابة يوم الجمعة. واستثمر هو نقطة الضعف فينا، فطفق يُنشِّف ريقنا بحكايات لها أول وليس لها آخر عن معاركه الغرامية وقواه الخارقة. كنا نعلم أنه يكذب ولكن، ما عسى أن نفعل نحن مع هذا التلذّذ القاهر الذي نحسّه من أساطيره.

هبة من الله هذه القوة الشمشونية التي عند ابن عمي عبد الجبار، وأما قرضه الشعر فمكتسبٌ منا لمّا كنا في (تجهيز) حلب. وتفصيل الخبر أن عبد الغفار لمّا اضطرّ وهو في الصف الرابع الابتدائي إلى ترك المدرسة والعمل صانع خياط عند أخيه الأكبر، انقطع طوال هذه المدة_ نحو أربع سنوات_ ما بينه وبين الثقافة، حتى إذا عاد إلى المدرسة ونحن سابقوه كان يعاني جوعاً مزمناً للأدب واللغة. في البداية لبث سنوات تلميذاً شديد الانتباه إلينا. كثير الحفاوة بكل كلمة نقولها. وعلى الرغم من أن أخي مواهب كان أعلمنا في اللغة وأكتبنا، بما نشرت له مجلة الثقافة المصرية قطعة شعرية، وبما أولاه المرحوم أبي من عناية. بوصفه بكره، حتى أنه لم يكتف بالدروس العربية التي كان يقبسها منه فوضع له معلماً. ومع ذلك لم يكن مواهب يملأ عين عبد الغفار لأنه لم يكمل دراسته الثانوية_ إذ طُرد من الصف التاسع لأسباب سياسية أيام حكم الشيخ تاج_ ومن ثمَّ لم يقرأ العقل الباطن مثل ابن عمّنا يحيى ومثلي أنا.

تلك الأيام كان ابن عمي عبد الغفار نهارياً ويسكن في غرفة عند جيران بحيّ الجميلية. فعشق فتاة من الزقاق تعمل أجيرة حلاقة اسمها حميدة صرصور. ذات يوم جاءني يقول لي:

-ولا أبو الحصين! إيش كانت أمك تقول في حكاياتها عندما يقع أحد أبطالها في الغرام؟!

– تقول: (وجاء الأمير علاء الدين إلى أمه مثل المنكوش من القبر، وجهه خيطان، أصفر مثل الليمون، وحيله مهدود، وقال لها: ارفعي يا أماه فراش الهنا ومدّي فراش العنكبوت، الأمير علاء الدين راح يطق ويموت!).

صرخ عبد الغفار: (هذا بالضبط حال ابن عمك بعد أن وقع حتى شوشته في غرام أم الحمد، أحلى بنت في الدنيا!).

سُئل فأجاب_ كما يقول الدرك عند كتابة الضبوط_ إن آسرة فؤاده هي أيضاً ليست حيادية أمام عاطفته الجارفة، ولكن أهلها متعصبون ومعلمتها الحلاقة تشدد عليها الرقابة ولا تدع لها فرصة تتنفس فيها رائحة ربّها، وأن أختها الصغيرة ترافقها في الصباح، وإحدى زميلاتها، بأمر من المعلمة الظالمة لا تفارقها من وقت الانصراف إلى أن تسلمها يداً بيد لأمها الجلادة الثابتة.

-ومن أين عرفت اسمها؟

-دلهزت على أختها الصغيرة بعد أن أوصلتها البارحة. أعطيتها قطعة شكولاتة فحكت لي.

-والآن ماذا تريد؟

– أن تنقش لي نقفة دين إيمان مكتوب غرامي يرمي الطير.

-حاضر.

-على شرط.

-تفضّل.

– تحلف لي لا تطلع برّه.

-ولو! لا توصِ الحريص ولا تبع بالرخيص، اي أنا والله اقتل القتيل قدّامي ورح خذ لك رقدة بأمان الله!

-اتفقنا. متى تنتهي منه؟

-الآن أمليه عليك حتى يكون بخطك.

-معقول. اليوم خميس، يعني أنهم يسمحون لكم أنتم الليليين بالخروج. تعال معي إلى البيت!

-لحظة حتى أحضر كتاباً أقرؤه هذه الأيام لابد أن يفيدنا في نقش المكتوب.

-دبّر راسك!

رحت إلى غرفة المطالعة حيث خزائننا، وأحضرت كتاب ابن الأنباري المتوفي سنة 577 هجرية (نزهة الألباء في طبقات الأدباء) وتوجهنا إلى بيته القريب.

-إيش قلت لي اسمها؟

-حميدة صرصور.

-هات ورقة وقلم واكتب. جادت القريحة!

– قُل!

-نظر عيني ومنية فؤادي ورجاء حشاشتي وماضيّ الحزين وحاضري الملهوف ومستقبلي الريان بالآراب.. كتبت؟

-احلم عليّ لحظة، أي شو أنا ماكينة؟ طويلة هذه الترويسة، أليست طويلة؟!

-اكتب وضبّ لسانك! أنت كم رسالة غرام كتبت حتى تاريخه؟

– ولا واحدة.

-إذاً اكتب!

-ما معنى آراب؟

-جمع (أرب). اشتغل.

فتحت كتاب ابن الأنباري خفيةً. وقلت:

-أتشرف بمطالع أنوار ألطاف شموس مُحيّاك فلق الصبح حصنته بآية (قل أعوذ برب الفلق) حتى لو عصبته بسلاب. لبث القلم يصرّ لحظات ثمَّ توقف.

-إيش هذه (سلاب)؟

– عصابة تضعها المرأة على رأسها. قال أبو زيد في كتاب النوادر: أنشدني المفضل لضمرة بن ضمرة النهشلي، وهو من البحر الكامل:

هل تخمشن إبلي على وجوهها

أو تعصبن رأسها بسلاب

قال عبد الغفار محيراً:

-أخاف ألا تفهم المسكينة كل هذا الكلام الكبير. خفّف عنها شوية!

-اضحك في عبّك.

-على إيش؟

-إذا لم تفهم.

-كيف؟

-كلّما عسر عليها فهمك ازدادت إعجاباً بك وحباً لك.

-معقولة، أكمِل!

-وبعد أيتها الدرّة المصونة والجوهرة المكنونة، بسل عليك.

-…نه. حلوة هذه، ولكن…

-شو أنت الثاني؟ كلما قلت لك كلمة طلعت لي مثل حمّصة الكيّ لاكن وما لاكن؟ إذا لم يعجبك أسلوبي دوِّر على واحد غيري.

قال ممعوساً:

-ولكن هذه البسل!

-هذه معناها (حرام عليك يا حميدتي).

-طيّب ماش! أكمل.

-اكتب: فإن قرمي إليك ليزداد، وعندما…

-على مهلك. رجعنا إلى الهيروغليفي؟ ما هذه (القرم)؟

-شدّة الرغبة.

-ماش (فإن قرمي)..

-يزيد من وجد قلوبنا حتى كأنها في هيدبى، فلا تجعليها في قهقرى أو خيزلى…

-العمى! أنا المثقف لا أفهم حرفاً، فكيف بحميدة صرصور!

-وبعد يا فيد زعفراني ويا مؤرجة أو مؤرشة أو محرشة أشجاني، فقد حمَّ التداني.

لاحظت أن صرير القلم أصبح في (توان) إنه يلهث. فصبرت عليه حتى استكمل كتابة الجملة. سألته:

-ما بك؟

-ما بي شيء، أكمِل!

-لا، أرى أنك تعبت.

-أي شو تعبت؟ ديني عليَّ حرام كل كلمة من هذا الكلام تطلع منك مثل طلقة الجفت أبي مقلين.

-هل أختم المكتوب؟ اكتُب: (وختاماً).

-لا، أكمل، وأمري لله!

-هل تريد نصيحة؟

– تفضّل، تفاصح!

-أرى أن تضبعها زيادة.

-كيف؟

-تختم الرسالة بأبيات تدوخ اللي في حياته ما داخ.

-مثلاً.

-مثلاً:

محاسنها سهامٌ للمنايا

مريّشةٌ بأنواع الخضوب

برى ريبُ الزمان لهن سهماً

يصيب بنصله مهجَ القلوبِ

-ظريف، نقِّلني هذين البيتين.

نقلهما، وقال:

-غيره.

-اكتب:

 

قفي شفتي في موضع الطبل ترتعدي

كما قد أبحت الدف في جيدك الحسن

هبيني عوداً أجوفاً تحت شنّة

تمتّع فيها بين نحرك والدمن

-شنة؟

-قربة صغيرة خلق.

-خلق فسوّى.

-لا، يعني مهترئة.

-أرزلين!

– لا تنقّ! هذان البيتان قالهما شيخ في التسعين متغزلاً بجارية لاثت رأسها وطلت بالفيد ما بين قرنها إلى قدميها، وعليها قميص وقناع مصبوغان وفي عنقها طبل فعشقها.

-أي، على خير.

كنتُ قد كذبته الخبر أو كذبتُ نصف كذبة لأن الجارية، في الحكاية، لما سمعت الشيخ التسعيني ينشد هذين البيتين نزعت الطبل ورمت به. قال: فلم أزل واقفاً حتى حميت الشمس على مفرق رأسي، لا تخرج ولا ترجع إلى جواباً. أنا معها كما قال الشاعر:

فوالله يا سلمى لطال إقامتي

على أي شيء يا سلمى أراقبه

ثمَّ انصرفت سخين العين، قرح القلب، فهذا الذي ترى من التغير من عشقي لها.

وكان الراوي هو الأصمعي في مجلس هارون الرشيد بالرقة قال: فضحك الرشيد حتى استلقى وقال: ويحك يا عبد الملك ابن ستة وتسعين عاماً يعشق؟ فقلتُ: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين.

وبقية الخبر أمتع. وقد قرأتُ منه على عبد الغفار البيت الأخير فأحبّه ورضي به خاتمة للمكتوب.

العدد 1196 - 29/04/2026