مواطنة تائهة ما بين الدعم وتسوّله
إيمان أحمد ونوس:
باتت المواطنة اليوم صفة وتوصيفاً لحالة يفتقدها غالبية السوريين، في ظلّ غياب شبه تام للدستور من جهة، وما تضمّنته مبادئ المواطنة من جهة أخرى. فالمواطنة الحقيقية تعني الفرد الذي يتمتّع بعضوية بلد ما، ويستحق بذلك ما تُرتّبه تلك العضوية من امتيازات. كما تُشير في معناها السياسي مشاركة الفرد في أمور وطنه، وما يشعره بالانتماء إليه، وقد عرّفها الدستور السوري في المادة 33 البند 2، بأنها مبدأ أساسي ينطوي على حقوق وواجبات يتمتّع بها كل مواطن ويمارسها وفق القانون.
والمواطنة في بعدها الاجتماعي والاقتصادي تعني إشباع الحاجات الأساسية للأفراد، بحيث لا تشغلهم هموم الذات عن أمور الصالح العام، فإشباع هذه الحاجات هو أحد المقوّمات الرئيسية والأساسية للمواطنة، وهو ما نصّ عليه الدستور في المادة 13، ومن ذلك: (تنمية النشاط الاقتصادي العام والخاص) بهدف (زيادة الدخل الوطني وتطوير الإنتاج ورفع مستوى معيشة الفرد وتوفير فرص العمل)، و(تلبية الحاجات الأساسية للمجتمع والأفراد)، و(حماية المنتجين والمستهلكين).
وعليه، يُعتبر وعي الإنسان بأنه مواطن حقيقي وفاعل في بلاده وعياً أصيلاً بالمواطنة، وبأنه ليس فقط مُقيماً يخضع لنظام معيّن دون أن يشارك في صنع القرارات داخل هذا النظام كما هو حال السوريين اليوم. وفي هذا الإطار صرّح أحد الخبراء بأن المواطنة تواجه أزمة حقيقية إذا ما تخلّت الدولة عن القيام بالتزاماتها المُتعلّقة بتحقيق الحاجات الأساسية من الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية للبشر، فيصبح من الطبيعي أن يؤدي عدم إشباع هذه الحاجات الأساسية إلى ظواهر عديدة تُشير في مجملها إلى تآكل الإحساس بالمواطنة، وتبدأ هذه الظواهر بالانسحاب من القيام بالواجبات، مادامت الحقوق قد تآكلت، مروراً بعدم الإسهام أو عدم المشاركة الفعّالة على كل الأصعدة، وحتى الهروب من المجتمع، والبحث عن مواطنة جديدة، أو التمرّد على الدولة والخروج عليها، والاحتماء بجماعات وسيطة أو أقلّ من الدولة (القبلية والعشائرية وحتى الانتماءات الطائفية الضيّقة).
إن كل هذه الظواهر تؤدي حتماً إلى انتفاء المواطنة، بسبب عدم حصول الإنسان على حاجاته الأساسية، إضافة إلى عدم دعم الصناعات الوطنية من خلال إهمال القطّاع العام وعدم دعمه وتطويره ليُساهم حقيقة في رفع مستوى اقتصاد البلاد بما يُسهم في تحسين ورفع مستوى معيشة الناس وصولاً إلى الرفاه الاجتماعي المنشود، بل اعتبار هذا الحق مكرُمة وصدقة من الدولة اتَّخذَ منذ عقود سبقت الحرب صفة إيصال الدعم لمستحقيه، لتجميل السياسات الحكومية (اقتصاد السوق الاجتماعي) الساعية إلى انسحاب الدولة من واجباتها تجاه مواطنيها وتقليص حقوقهم التي أقرها الدستور ومبادئ المواطنة التي قام عليها، لإفساح المجال أمام تحرير الأسواق وانتهاج نظام اقتصادي لا يأخذ بعين الاعتبار سوى مصلحة رأس المال وحرية حركته، وهذا ما يُعتبر مخالفة صريحة للدستور الذي نص في المادة 13 على ما يلي:
1- يقوم الاقتصاد الوطني على أساس تنمية النشاط الاقتصادي العام والخاص من خلال الخطط الاقتصادية والاجتماعية الهادفة إلى زيادة الدخل الوطني وتطوير الإنتاج ورفع مستوى معيشـة الفرد وتوفير فرص العمل.
2- تهدف السياسة الاقتصادية للدولة إلى تلبية الحاجات الأساسية للمجتمع والأفراد عبر تحقيق النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية للوصول إلى التنمية الشاملة والمتوازنة والمستدامة.
3- تكفل الدولة حماية المنتجين والمستهلكين وترعى التجارة والاستثمار وتمنـع الاحتكار فـي مختلف المجـالات الاقتصادية وتعمل على تطوير الطاقات البشرية وتحمي قوة العمل بما يخدم الاقتصاد الوطني.
لا شكّ أن الواقع الذي نعيشه منذ سنوات يُشير صراحة إلى مخالفة كل بنود هذه المادة وغيرها من مواد دستورية لم تكن أكثر من إنشاء لغوي لا يُغني ولا يعني ما يعنيه كما المادة الدستورية 14 التي تناقض الواقع في عدم اعتراف الحكومات بحق المواطنين في ثروات وخيرات البلاد التي ينتمون إليها، حين تنص على ما يلي:
(الثروات الطبيعية والمنشآت والمؤسسات والمرافق العامة هي ملكية عامة، تتولى الدولة استثمارها والإشراف على إدارتها لصالح مجموع الشعب، وواجب المواطنين حمايتها).
أمّا في مجال الضرائب وواجب استيفائها من المُكلفين باعتبارها مورداً أساسياً للخزينة العامة، فلا يفوتنا الإشارة إلى انتفاء العدالة بين المُكلّفين في هذا المجال، إذ يجري اقتطاع تلك الضريبة مباشرة من الرواتب والأجور للعاملين في الدولة، إضافة إلى باقي الضرائب المفروضة عليهم وعلى الشرائح الأخرى الأقلّ دخلاً، وقد باتت تُشكل عبئاً إضافياً على الأعباء المعيشية لتلك الشرائح في حين يكون هناك تهرّب ضريبي كبير من قبل مكلّفٍ واحد يفوق الضرائب على الرواتب والأجور، ولا تجري محاسبته أو مطالبته ومتابعته بما هو مفروض عليه، في مخالفة واضحة وصريحة للمادة 18- البند 2 من الدستور التي تنص على:
2 – يقوم النظام الضريبي على أُسُس عادلة، وتكون الضرائب تصاعدية بما يُحقّق مبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية.
إن الحديث عن الحقوق والواجبات سواء للدولة أو لمواطنيها، يفترض الشفافية والمصداقية كي يبقى للمواطنة فاعليتها وتبعاتها الإيجابية للطرفين، لا أن يكون هناك تشويه متعمّد لتلك المواطنة من خلال مطالبة الأفراد الذين تصفهم بالمواطنين بواجباتهم، مُتجاهلة حقوقهم الأساسية بما يُفضي مباشرة إلى إهدار كرامتهم التي صانها الدستور في المادة 19 التي تنص على:
(يقوم المجتمع في الجمهورية العربية السورية على أساس التضامن والتكافل واحترام مبادئ العدالة الاجتماعية والحرية والمساواة وصيانة الكرامة الإنسانية لكل فرد).
فهل يُمكننا اعتبار الإجراءات الحكومية المُتّخذة مؤخّراً بما يخص الدعم وإيصاله لمستحقيه، عبر إخراج شرائح كبيرة من مظلّة هذا الدعم المشوّه، الذي اغتال حقيقة كل الحقوق التي منحتنا إيّاها المواطنة وصانها الدستور، هل يُمكننا اعتبارها إجراءات تهدف إلى سيادة العدالة الاجتماعية والمساواة وصيانة الكرامة الإنسانية، أم أنها إجراءات عشوائية ارتجالية ضربت عرض الحائط بكل حقوق الأفراد وواجبات الدولة تجاههم ما جعل من الشرائح التي بقيت تحت مظلّة الدعم كالمتسولين الذين ينتظرون منّة وفضلاً من المسؤولين الذين يتغنّون دائماً بالشرعية وضرورة عدم مخالفة القوانين والدستور، في حين أنهم خالفوا كل الأعراف والتشريعات حين لم تُعرض هذه الإجراءات على مجلس الشعب لاتخاذ القرار المناسب والعادل، رغم عدم فاعلية هذا المجلس فيما يخص معيشة الشعب التي باتت في دركها الأسفل ولا من محاسب أو مراقب أو مستجيب من القائمين على قيادة الدولة والمجتمع.