ماهي الجهات التي تقف خلف تفشيل القطاع العام؟
محمد علي شعبان:
صحيح أن انزياحاً بالوعي الوطني قد حصل، في معظم البلدان العربية، منذ اتفاقية كامب ديفيد بين مصر والكيان الصهيوني في القرن الماضي. وقد اختلفت شدته من بلد إلى آخر، خلال هذه الفترة الطويلة من الزمن، وصحيح أن هذا الانزياح قد بدأ خجولاً عند بعض النخب الثقافية والسياسية، لكنه لم يتوقف ولم يتراجع، بسبب الدعم الخارجي من جهة، وقصور القائمين على الوضع الداخلي في معالجة الأزمات من جهة ثانية.
لقد تنامى بهدوء، وتطور تدريجياً وصولاً إلى خلق ثقافة خاصة به، تستقطب العديد من النخب، وتشكل وعياً جديداً، يعمل على خلخلة الثوابت الوطنية، التي كانت تشكل جامعاً حقيقياً لمعظم الأحزاب التي تشكلت في القرن الماضي، أثناء المدّ اليساري، المرافق لحركات التحرر الوطني ونشاط جميع الأحزاب التي اعتبرت تطبيق الاشتراكية هدفاً لها في جميع البلدان العربية.
لم يتوقف الأمر عند انزياحات إيديولوجية أو فلسفية. لقد تعدى ذلك إلى إعادة صياغة جديدة لإيديولوجيا تحمل بين سطورها تغييراً جوهرياً في الأولويات وفي تحديد الخصومة والعداوة، بشكل متناقض في الشكل والمحتوى عما كان سائداً في بلداننا العربية.
فقد أصبحت القضية الفلسطينية في المقام الثاني عند غالبية أصحاب التوجه الجديد. وأصبحت قضية الاحتلالات ليست ذات أهمية، ما دام قطار التسوية يسير وفق كامب ديفيد، وأوسلو، ووادي عربة. وجرى العمل على تهيئة الأجواء للتصالح مع الأعداء التاريخيين، ومحاولة استعداء أو مخاصمة بعض الدول الصديقة لبلداننا.
بين سطور الإيديولوجيا الجديدة دعوة للتصالح مع الكيان الصهيوني، وإقامة علاقات تطبيع معه، والعمل على تعزيز التناقضات داخل الدول العربية، وداخل الدولة الواحدة، وصولاً إلى خلق خلافات مذهبية حيث يمكن استغلالها، كما يحصل الآن بين السنة والشيعة.
فمن هي الأطراف المسؤولة عن الانزياحات التي حصلت؟
بالتأكيد لا يوجد طرف واحد محدد يتحمل مسؤولية ما جرى بمفرده.
صحيح أن هنالك طرفان أساسيان يتحملان المسؤولية الأساسية عن تلك الانزياحات. فالسلطات وحلفاؤها السياسيون، والحكومات، هي المسؤول الأول عما جرى من انزياحات، لكنها ليست الوحيدة.
صحيح أن للعوامل الخارجية دوراً مهماً في ذلك الانزياح، انطلاقاً من المصالح الخاصة التي تعمل من أجلها البلدان الخارجية.
إلا أن تلك البلدان ليس بمقدورها تحقيق ما تصبو إليه مالم تجد تعاوناً أو تواطؤا، أو نقاط ضعف تشكلت في البلد المقصود اختراقه.
ولو أن السلطات الحاكمة عملت وتعمل على تحصين بلدانها من الاختراق، لما تمكّنت الدول الطامعة من اختراقها.
لم تتمكن الولايات المتحدة، بالرغم من إمكاناتها الكبيرة، من تشكيل اختراق لكوبا، وعجزت عن اختراق كوريا الشمالية. وها هي ذي الآن تعمل ليل نهار، من أجل تشكيل اختراق في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، رغم وجود العديد من القوميات والطوائف والمذاهب المنتشرة على الأراضي الإيرانية. والتي تشكل بيئة صالحة للتوظيف والاستثمار، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية أظهرت عجزها عن الاختراق، رغم العلاقات القديمة التي كانت تربط البلدين أثناء حكم الشاه.
لقد عملت هذه النخب على شيطنة القطاع العام وكرست ثقافة النفور منه، بتواطؤ شديد مع بعض الجهات الموجودة في موقع القرار، بغية تشكيل وعي جديد يخدم القطاعات الخاصة، ويحمّل القطاع العام المسؤولية عن الفقر والمجاعة التي تعصف بالبلدان، بسبب الأنظمة الرأسمالية التي تدير الاقتصاد الكوني، الذي يعمل على المزيد من الإفقار والتجويع للشعوب الفقيرة.
لقد تغافلت تلك النخب، قصداً، عن كل الجرائم والممارسات التي تقوم بها الأنظمة الرأسمالية تجاه الشعوب الفقيرة، وركزت اهتمامها على بعض السلوكيات التافهة التي تحصل في بعض البلدان، ذات التوجه الاشتراكي. معتبرين أن الخطر على البشرية يأتي من أصحاب التوجه الاشتراكي عبر بوابات القطاع العام.
لذلك أصبح الهجوم على القطاع العام هدفاً عند جميع تلك النخب، التي تتمتع بحقوق خاصة في الإعلام، مع امتيازات وظيفية خاصة في باقي القطاعات.
ونعيد طرح السؤال بصيغة أخرى:
من هي الجهات المستفيدة من تدمير القطاع العام؟ ومن هي الجهات المتعاطفة أو المتواطئة مع من يريد إنعاش القطاع الخاص؟
مازلنا في بلادنا نقف في منتصف الطريق بين القطاع العام والقطاع الخاص.
لم نعاصر نظاماً اشتراكياً، كما ينبغي، ولم نعاصر نظاماً رأسمالياً كالأنظمة الرأسمالية الغربية.
لكننا شاهدنا انعكاس التوجه الاشتراكي في بلداننا، على العديد من القطاعات، وأهمها قطاعا الصحة والتعليم. وشاهدنا أيضاً خصخصة بعض القطاعات، كالصحة والتعليم أيضاً، وبعض القطاعات الخدمية، كالكهرباء، والاتصالات.
ومن يراقب عن كثب فترة التحول البسيطة من حيث الزمن، وانعكاس ذلك على حياة البشر، يجد كل الأجوبة عن الأسئلة التي طرحتها في سياق المقال، ويستنتج أن الأدوات الرأسمالية المنتشرة على مساحة واسعة من الكرة الأرضية تشكل خطراً على الإنسانية.
ولو تعمّقنا بالبحث عن الجهات التي تقف خلف هذه الأدوات، لوجدنا أن الرأسمالية بشكلها الجديد تقف خلف تدمير القطاعات العامة الإنتاجية في العالم بغية تحويلها إلى قطاعات خاصة تعمل لصالحها.
وتقف ليس فقط خلف تدمير قطاع التعليم بمعناه الإنتاجي، إنما تعمل من أجل التحكم بآلية التعليم، بما يخدم مصلحتها الاقتصادية من جهة، ومصلحتها السياسية والفكرية من جهة ثانية، بغية صناعة أجيال مبرمجة تعمل كبراغي في آلات الرأسمالية. وتخلق أشكالاً جديدة من التجمعات تهدم من خلالها مفهوم الدولة المعترف به عالمياً.
لتصنع مفاهيم جديدة تحقق برامجها من خلالها.
فكيف يتحقق ذلك من دون التعاون بين أنظمة الحكم في العالم؟!
هذا ما سنجيب عنه في مقال لاحق.