المرأة… ذلك الكائن الذي شُوِّه!
سامر منصور:
لطالما شكّلت مسألة تفضيل الرجل على الأنثى في منح فرص العمل مثار شكوى وجدل في البلدان العربية، وممّا نجحت فيه سورية نسبة إلى الكثير من دول العالم هو توظيف المرأة بنسبة عالية في الدوائر الحكومية، إذ نجد الموظفات بكثرة في أيّ مؤسسة نقصدها. وإذا أردنا الحديث عن وزارة التربية أو الصحة مثلاً، بصفتهما أكثر الوزارات المُشغِّلة، نجد نسبة العاملات فيهما تكاد توازي أو تفوق نسبة العاملين.
وفي ظلّ الأحداث الدموية واحتفاظ وزارة الدفاع بالكثير الكثير من الذكور واستدعاء الاحتياط، إضافة إلى انخراط عشرات آلاف الذكور فيما يسمى القوات الرديفة، كل هذا ترك المجالات مفتوحة أمام المرأة للعمل، لكن من جهة أخرى أصبحت تتحمّل مسؤوليات جساماً، فقد تضاعف جهدها على صعيد الأسرة، واضطرت للعمل أيضاً لتعويض غياب الرجل أو عجزه عن تلبية المستلزمات اليومية بسبب الغلاء. وستستفيد المرأة عموماً من تكريس وجودها في المؤسسات الخدمية وشركات القطاعين العام والخاص في هذه المرحلة.
لكن تبقى المشكلة في نظري هي عند المرأة العاملة التي تذهب الى عملها بكامل زينتها وأناقتها وكأنها ذاهبة إلى سهرة لتمارس حالة استعراضية في محيطها الاجتماعي. نلاحظ أن المرأة في الدول المتقدمة(عملية) ترتدي ما يُناسب طبيعة عملها، وتتزيّن للخروج ليلاً بعد العمل، بينما نجد المرأة العربية، في حالات ليست قليلة، تبدو وكأنها لم تنم نصف ليلها وهي تتزيّن لتكون حاضرة في وظيفتها في الصباح الباكر بكامل أناقتها وجمالها الحقيقي والمستعار والمزيف.
وإذا أردنا الحديث عن أزمة الكيل بمكيالين في نظرة المجتمع وتعامله مع المرأة، نجد أنه لا تمييز بين الجنسين في الطفولة، ولكن في سن المراهقة يبدأ الجميع في تكوين تصوراتهم عن المجتمع، والعلاقات الاجتماعية والمفاهيم والقيم. ولنتحدث عن مفهوم (الأنثى) في المجتمع، الذي تسعى المراهقات إلى التطابق معهُ، وهنا أتفق مع الفيلسوفة الوجودية الفرنسية سيمون دو بوفوار فيما ذهبت إليه في كتابها(الجنس الآخر)، وهو كتاب نتج عن تحقيق وأبحاث في التعريفات الشعبية للأنوثة، تقول دو بوفوار: (نحن لم نولد نساء بل أصبحنا نساء). وتقصد هنا(النساء) كمفهوم بمعنى إنسان يُناط به وظائف اجتماعية تُشكّل مُحدِّدات لشخصيته وطرائق تفكيره وخياراته وسلوكه، فالأنوثة كـ(مفهوم وممارسات) ليست مُتأصلة، لكنها تركيبة يجري اكتسابها عبر التنشئة الاجتماعية للحفاظ على هيمنة الرجال. وترى دو بوفوار أنه عبر التاريخ تتم معاملة المرأة بشكل أدنى من الرجل لثلاثة أسباب:
– أن تلبي حاجات الرجل، وبالتالي لا وجود لها إلاّ في سياق مع الرجل.
– الالتزام بالتعليمات الشكلية لقبولهنَّ وإثبات قيمتهنَّ.
– كان لدى النساء تاريخياً حقوق أقلّ، وبالتالي لم يكن لديهنَّ تأثير على الرأي العام.
تستخدم دو بوفوار تشبيهاً لتوضح إشكاليات (مفهوم الأنوثة) فتقول إن المرأة تُعامَل مثل (دمية حيّة)، وتُعتبر الدمية أداة قوية لتطوير الشخصية، بحيث تتعلّم الفتاة عبرها كيف تلبس وتتزيّن وتعتني بشكلها وهي مازالت قاصرة عن اتخاذ القرار. بملء إرادتها تتعلم الفتاة تشييء نفسها كما يفعل الرجال بها. إن الدمية مطيعة ويتمثّل دورها في أن تكون أنيقة وأن تسمع أسرار مالكها، ينبغي أن تواسيه عندما يكون وحيداً، وتبقى في المنزل عندما يذهب إلى الدراسة أو العمل. ومن وجهة نظر دو بوفوار فإن الفتاة عندما تكبر تجد نفسها في الأوضاع ذاتها لدميتها، وعندما تصبح امرأة سيكون دورها أن تجذب زوجاً بجمالها (كدمية جذابة في واجهة محل تنتظر من يتلهف لنقلها إلى بيتهِ). ويجب عليها أن تحافظ على جمالها كي لا يذهب الرجل إلى أخرى أو يبتعد عنها، وعليها أن تستمع إلى مشاكلهِ وهمومهِ بهدوء وتنتظرهُ في المنزل بينما يُمارس هو مختلف جوانب الحياة العملية. إنها(إكسسوار) سواء أكانت من البلاستيك أم من لحمٍ ودم. وأشارت الباحثة دو بوفوار إلى أن الأنثى حتى لو لم تكن متزوجة فستبقى مُتعلّقة ومقيّدة نفسها إلى معايير الرجال للأنوثة، من خلال ضغوط خارجية، مثل موجات الموضة وعالم التجميل التي تساعد جميعها على(سرمدة) تشييء المرأة. ولكي تتحرر المرأة عليها أن تُدرك أن معظم المعايير الاجتماعية مركّبة، وعندئذ فقط سيكون لديها الحرية في الإفلات من سياق ظروفها وتحديد مصيرها بنفسها.