عودة اليسار ضرورة يفرضها طغيان الإمبريالية الأمريكية
بشار المنيّر:
بداية، كل الشكر لملتقى اليسار الثالث في السويد، الذي أتاح لي فرصة المشاركة وإبداء الرأي في مسألة تبدو اليوم في غاية الأهمية، لا على الصعيد المحلي في كل بلد فقط، بل أيضاً على الصعيد العالمي، خاصة بعد استشراس الإمبريالية الأمريكية في الدفاع عن تفردها في قيادة الكوكب، ومحاولتها فرض رؤيتها لمصير البشرية، ولو تطلب الأمر شنّ الحروب وتأجيج النزاعات المحلية.
لن أرجع إلى التاريخ لتعريف اليسار، إذ طرأ تطور جدّي على مفهوم هذه الكتلة الواسعة من الناس، ومكوناتها، ولم يعد الهدف هنا الوقوف بوجه المَلَكية المستبدة والإقطاع الجائر وسيطرة الكنيسة، وإعلاء حقوق الإنسان، فقد فرضت الرأسمالية بعد تحولها إلى نظام عالمي، بفضل التطور العلمي والصناعي بشكل خاص، فرضت نمطاً جديداً.. مدنياً، أتاح مساهمة أعداد متزايدة من أفراد كل مجتمع أوربي في عملية الإنتاج. لقد أنتجت الرأسمالية وصناعتها الحديثة مجتمعاً جديداً، لكن استغلال القلة لجهود الأكثرية لم يتبدل من حيث الجوهر، بل ازداد الإملاق إلى درجة البؤس، ونشأت مع تطور الرأسمالية معضلات اقتصادية واجتماعية وإنسانية جديدة، تسببت بكوارث اجتماعية هائلة لجميع مكونات المجتمعات، لا لطبقة.. أو فئة اجتماعية واحدة، لذلك استدعت الضرورة تشكيل أحزاب شيوعية تناضل من أجل بناء الاشتراكية وفقاً لمبادئ الماركسية اللينينية، وأخرى اشتراكية تمثل البورجوازية الصغيرة في المدينة والريف، تسعى إلى مجتمع اشتراكي(معتدل) دون (ديكتاتورية البروليتاريا) ومصادرة الملكيات، وأحزاب أخرى صغيرة تهتم بالمسائل الاجتماعية والبيئية الناجمة عن سيطرة الرأسمالية على كل شيء.
حصلت أحزاب اليسار في أوربا على تفويض شعبي واسع، وشكلت حكوماتها في ظل الديمقراطية الغربية، وأدت دوراً هاماً على الصعيد الاجتماعي، لكن السياسة العامة لهذه الحكومات لم تخرج عن الإيقاع العام للولايات المتحدة الأمريكية، خاصة خلال الحرب الباردة.
لقد أدى انهيار الاتحاد السوفييتي، وتلاشي الأنظمة الاشتراكية في العديد من الدول الأوربية، إلى تراجع تأثير اليسار العالمي في مجرى الأحداث العالمية والوطنية، ومع تكالب الامبريالية الأمريكية لفرض رؤيتها السياسية والاقتصادية، وتصديرها إلى دول العالم بقوة المال.. والسلاح، في أحيان كثيرة، وبغياب السند السوفييتي، تحول اليسار الأوربي، وبضمنه الأحزاب الشيوعية والاشتراكية التي كانت تحصد النسب المرتفعة، وتشكل الحكومات في العديد من الدول الأوربية، إلى تجمعات صغيرة تكافح في أوضاع غير عادلة، من أجل الدفاع عن أهدافها الإنسانية. لقد أصبح مصير العالم، بعد تسيّد الليبرالية الاقتصادية الجديدة، مرهوناً لإرادة حفنة مهووسة من المليارديرات، وأكثر من 40 ألف شركة عابرة للقارات من كافة الأحجام، وهي تقود حالياً عمليات الاستثمار العالمي، وتتوزع استثماراتها بين القارات، وتسيطر على ثلثي التجارة العالمية. تقول المسز تاتشر (شريكة الرئيس ريغان، في إطلاق وحوش الليبرالية الاقتصادية الجديدة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي):
(ما تفرزه السوق صالح، أما تدخّل الدولة فهو سيئ، إن آلية السوق هي التي توجه قدر البشر ومصيرهم، والاقتصاد الحر من القيود هو المحدد لقوانين المجتمع وليس العكس، مهمتنا بلوغ المجد في سياق اللامساواة، لا نعبأ بالمتخلفين في سباق المنافسة. إن الناس غير متساوين، وذوو الحظ العاثر يستحقون ما يصيبهم).
لقد أشار العديد من علماء الاقتصاد في العالم إلى أن الحافز الرئيسي على الإنتاج في النظام الرأسمالي، والذي يتمثل بالإنتاج الصناعي والخدمي والتسويقي، قد انتقل في حقبة عولمة الأسواق الذي كرسته الليبرالية الاقتصادية الجديدة، إلى مستوى جديد هو حافز التراكم المالي دون المرور المباشر بالعملية الإنتاجية، وهو التراكم الذي تشرف عليه نخبة من المصارف والشركات، وحفنة من المضاربين دون رقابة من الدولة وأجهزتها المالية والاقتصادية. ليس ما نراه اليوم إلاّ قانون السوق بشكله المتوحش،السوق المضارب بالأسهم والسندات والأوراق المالية الأخرى التي تبتدعها الشركات والمصارف الاستثمارية الأمريكية وتنشرها في أسواق العالم مفخخة بأسعار فائدة مغرية، في حين تراجع الاقتصاد الحقيقي القائم على الإنتاج والتوزيع والتبادل، إذ تبلغ المبالغ الموظفة في أسواق المال والبورصات العالمية حالياً ستة أضعاف الناتج الإجمالي العالمي، وأصبحت ثلة مؤلفة من 500 شركة عابرة للقارات، تسيطر على ثلثي التجارة العالمية، يفوق دخل 15 شركة منها دخل 120 دولة من دول العالم!
يوضح (بنجامين باربر) في كتابه الشهير (الجهاد في مواجهة ماكوورلد)، الذي أحدث ضجّـة كبرى في أمريكا: (الرأسمالية المعولمة لم تعُـد بحاجة إلى الدولة – الأمة التي لعبت دور الأم الحاضنة للديمقراطية، وباتت هذه الأخيرة قيداً عليها، وبسبب سيطرتها على تمويل الإعلام والعمل السياسي والقرار الاقتصادي، فهي تهدّد الآن بهدم أثمن إنجازات البشرية في التاريخ: الديمقراطية نفسها).
اليساري اليوم هو من يدافع لا عن الحقوق السياسية للبشر فقط، بل أيضاً عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، عن حقهم في الأجر العادل، عن حقهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، عن حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل، عن التمتع ببيئة نظيفة وخالية من السموم، عن نقاء الأنهر وسلامة الأحياء البحرية، عن ضمان صحة البشر وحصولهم على الرعاية الطبية، وبكلمة أخرى، فإن اليساري هو من يدافع عن هذا الكوكب وسكانه في مواجهة الامبريالية.. والاستعمار.. وهيمنة الليبرالية الاقتصادية الجديدة.. والتخلف.. والفساد.. وهيمنة الاحتكارات الكبرى على مقدرات الشعوب، هذه الآفات التي تؤدي إلى فنائه.
هذه العناوين العريضة لمهام اليسار تفترض بالضرورة تجمعاً واسعاً ومتنوعاً للمناضلين من أجل تحقيقها، فاليساري اليوم هو الشيوعي والاشتراكي والمدافع عن البيئة، والمتطوع في حملات مكافحة الجوع في بقاع العالم، والعضو في جمعيات البيئة، إنه الإنسان الذي يعمل من أجل سلامة العالم.. وكرامة البشر وسعادتهم، عن طريق النضال المتواصل للوصول إلى المجتمع الاشتراكي الإنساني، مستفيداً بصورة خلاّقة من تجارب الماضي ومنجزات الحاضر والمستقبل في العلم والفكر والتجارب الإنسانية. صحيح أن تجمعاً يتصف بالتنوع قد يخلق في كثير من الأحيان تبايناً بين مكوناته في الموقف من هذا الحدث أو ذاك، لكن المجرى العام في القضايا الكبرى يبقى منسجماً بين هذه المكونات، وخصوصا اليسار الأوربي.
باعتقادي الفارق شاسع بين نشأة اليسار وتكوّنه في الدول الأوربية، وبين نشأة (يسارنا) العربي. في بلداننا العربية ارتبط مفهوم اليسار بتأسيس الأحزاب الشيوعية في بداية القرن العشرين، بعد نجاح ثورة أوكتوبر الاشتراكية العظمى عام ،1917 لكن نضال الشعوب العربية ضد الاستعمار، واشتراك جميع الفئات الاجتماعية في هذا النضال الوطني، أدى إلى نشوء أحزاب وطنية تمثل فئات اجتماعية مختلفة، منها أحزاب تمثل البورجوازية الصغيرة في المدينة والريف والمثقفين، رفعت شعارات وطنية معادية للاستعمار والإقطاع والرأسمالية العالمية، ومؤيدة للسياسة السوفيتية المدافعة عن السلم العالمي، وساهمت هذه الأحزاب فيما بعد في الحياة السياسية، ووصل بعضها إلى سدة الحكم عن طريق انقلابات عسكرية، وبعضها الآخر اكتفى بالمشاركة السياسية والاجتماعية. أعضاء هذه الأحزاب مع الشيوعيين الذين انشقوا عن أحزابهم بعد انقسامات عدة شهدتها الأحزاب الشيوعية العربية، أصبحت تشكل تجمعات (يسارية) غير شيوعية، بعض هذه التجمعات اكتفت (بالبراءة) من الأحزاب الشيوعية، وتحولت إلى تجمعات قريبة من الليبرالية السياسية، لكن بعض التجمعات اليسارية حملت رؤية معادية للامبريالية، وضمّنت برامجها توجهات اقتصادية واجتماعية محابية للفئات الفقيرة والمتوسطة.
في النضال من أجل تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى، من الضروري حشد جهود الجميع، وأقصد هنا جميع الأحزاب والتجمعات المعادية للإمبريالية، والساعية إلى بناء المجتمعات المدنية..الديمقراطية..العلمانية، خاصة بعد استشراس الهجمة الإرهابية المدعومة من الامبريالية الأمريكية وحلفائها، لتكريس الفكر الإرهابي المتستر بالدين، وهذا يعني حسب تقديرنا الدعوة إلى إنشاء تحالف وطني عريض في الدول العربية، وخاصة سورية والعراق والأردن والجزائر ومصر، ووضع إطار عريض لهذا التحالف يتمركز على الأهداف الكبرى التي يسعى الجميع إلى تحقيقها، والعمل السياسي المشترك، والتنسيق في الحملات الانتخابية، وتشكيل سكرتاريا تشرف على النشاطات المشتركة.
في سورية ما قبل الأزمة والغزو الإرهابي كنا في الحزب الشيوعي السوري الموحد، ندعو إلى تحالف جميع القوى الوطنية والتقدمية من أجل الوقوف في وجه المطامع التوسعية للكيان الصهيوني وطغيان القطب الأمريكي، ومساعيهما للهيمنة لخلق شرق أوسط جديد محاب للصهيوني والامبريالية، ومن أجل تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة. واليوم ندعو إلى تحالف واسع لاستمرار مواجهة الإرهابيين وفكرهم الإقصائي، وإنهاء الأزمة السورية عن طريق إنجاح الحلول السلمية، وعقد حوار وطني شامل من أجل رسم ملامح سورية المستقبل، والذي نسعى مع غيرنا من القوى الوطنية اليسارية كي يكون مستقبلاً ديمقراطياً وعلمانياً.
عودة اليسار ضرورة يفرضها اليوم السعيُ المحموم للامبريالية الأمريكية إلى الانفراد والتحكم بمصير البشرية، بما يحقق طموحات (الخُمس) الثري لاستباحة العالم، على حساب (الأربعة أخماس) الباحثين عن اللقمة.
* عضو جمعية العلوم الاقتصادية في سورية.
* مدير تحرير صحيفة النور السورية.