سورية… حرب داخلية وعدوان إسرائيلي

لا أظن أنه ستكون هناك مرحلةً أسوأ ولا أشد قسوة من هذه المرحلة، التي نعاني أحداثها أشد المعاناة، وذلك نظراً لما يلف معظم دول العالم العربي من أحداثٍ سياسية وعسكرية داخلية وخارجية مؤلمة ومواقف ورؤى أشد إيلاماً.

نرى ونكابد تلك الأحداث في كل يوم ولحظة، ونستشعر تداعياتها وانعكاساتها العميقة، التي ليس من السهل نسخها أو محوها من التاريخ مهما تقادم عليها الدهر. كبوات وانتكاسات ومهازل كثيرة متراكمة بعضها فوق بعض، كلما داهمتنا واحدة ازدادت رؤوسنا سقوطاً للأسفل. وزاغت الأفئدة انحداراً، وبدا الواحد منّا كمالك الحزين الذي غالبته الريح من كل جانب.

شعارات حِيكت وعبارات حُبِكت منذ الأزل، (قومية، وطنية)، ثورية وحماسية، لهجت بها ألسنة الأحرار، وصدحت بها حناجر الوطنيين.غدت مجرد كلمات وحروف متفرقة ومبعثرة لا تدل على مفهوم، وتخلو من أي معنى، وباتت كما لم تُقرأ بعد، ولم تُسمع قط.

وبرغم علمنا بذاك تمام العلم ومن زيادة اليقين، بأن ما درجنا عليه طيلة العقود الستة الفائتة هو في غير الاتجاه الصحيح، بل هو في صميم الخطأ. مهما تعددت المصالح وبلغت المبررات، بشهادة الذي يعلم والذي لا يعلم من صغار الأمة وكبرائها. فإننا في مثل هذه المواقف لن نكرر ما ورثناه واعتدنا عليه، من التفوه ما استطعنا بعبارات الشجب والاستنكار والإدانة فحسب، بل طبقنا الذي بدأنا التعوّد عليه من علامات السكوت واللامبالاة أو الرضا كلّما أمكن.

إن العدوان الإسرائيلي على سورية بلا شك،- بغض النظر عن الأحداث الداخلية الدامية- يُشكل جريمة صهيونية، تضاف إلى الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل على مدى تاريخها الإرهابي، ضد الشعب السوري والأمّة العربية جمعاء، ويمثل تحدياً صارخاً لا لقرارات الشرعية الدولية ومبادئ القانون الدولي فقط، وإنما يُعبر عن الاستخفاف والتسفيه اللامتناهي لكل ما هو عربي وما يمتُّ إلى العروبة بصلة.

ولعل السوء في هذا الأمر، هو التاريخ الإسرائيلي العدواني الطويل، المتخم بالتعديات المعربدة شرقاً وغرباً وعلى طول البلاد العربية وعرضها، وتعيث خراباً وإفساداً وتقتيلاً. لكن الأسوأ هو الحاصل في عدم الرد المقابل عسكرياً كان أو سياسياً حتى الآن.

إن إسرائيل لا تضرب عرض الحائط بالقوانين الدولية جزافاً، ولا تستهين بقدرات الأمة العربية من فراغ، فهناك من يؤيدها في اعتداءاتها ويكافئها أيضاً. إذ لم تقم إسرائيل بما قامت به قبل أخذها الضوء الأخضر والمباركة من الولايات المتحدة، ومواقف المؤسسات الشرعية الدولية تبدو منحازة بغالبيتها مع إسرائيل وتجدد لها الدواعي والأعذار.

إسرائيل تكاد لا تُعير ما قامت به اهتماماً، وهي ماضية في تكرار تعدياتها، وتزيد إصراراً في الإقدام على ما هو أبعد من ذلك، والذي يتمثل في إقامة منطقة أمنية داخل الحدود السورية. فبعد أن كاد العالم ينسى مصطلح المناطق العازلة (الأمنية) التي كانت إسرائيل قد أقامتها داخل الأراضي اللبنانية وأقامت عليها دويلة الجنوب (سعد حداد) وانتهت منذ العام ،2000 عندما اضطرت إسرائيل إلى الاندحار عنها بفضل المقاومة اللبنانية المتمثلة في (حزب الله). وكذلك المناطق الأمنيّة المقفلة على طول الحدود المصرية- الفلسطينية (فيلادلفيا) التي أجلتها إسرائيل منذ العام ،2005 في إطار خطة رئيس الوزراء السابق أريئيل شارون القاضية بفك الارتباط مع قطاع غزة، والتي تنازلت إسرائيل عنها تحت وطأة المقاومة الفلسطينية، وأيضاً المناطق العازلة التي فرضتها إسرائيل على طول الشريط الحدودي لقطاع غزة (براً وبحراً) وحظرت تجاوزه أو الوجود داخله، وأُرغمت كذلك على التخلي عنه في إطار اتفاق الهدنة مع المقاومة الفلسطينية أيضاً. فبرغم العلم الإسرائيلي، نراها تُريد إعادة ا لكرّة وتجديد عملية العزل الأمني. وهذه المرة في عمق الأراضي السورية، فقد ذكرت صحيفة (الصنداي تايمز) اللندنية، أن إسرائيل سوف تقوم بإدخال كتيبة مشاة ودبابات وعتاد عسكري إلى الأراضي السورية، بحجة الحفاظ على حدود آمنة، بما يعني قطع الطريق أمام أية محاولات يتم فيها السعي إلى تزويد (حزب الله) اللبناني بالأسلحة، وخاصةً الصاروخية والكيميائية الأخرى. وكان الجيش الإسرائيلي قد قدم خطة لرئيس الوزراء نتنياهو في هذا الشأن، تهدف إلى حماية أمن إسرائيل (قبل وبعد) سقوط بشار الأسد حسب ادعاءاته.

وقد حثّ الجيش ضمن خطته على إقامة منطقة أمنية تدخل نحو 16 كيلومتراً داخل مرتفعات الجولان (القسم السوري)، وحتى الحدود مع لبنان. وتم بحث تلك الخطة مع مسؤولين في وزارة الدفاع الإسرائيلية من خلال تقديم نماذج وسيناريوهات عسكرية وأمنيّة، ومنها اعتماد نموذج التشغيل المماثل لذلك النموذج الذي أقامته قوات الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان بين عامي 1985و00__.

ما تقدم يُمهد لاعتداء آخر من سلسلة طويلة من جملة الاعتداءات الإسرائيلية المُعدّة والمتواصلة، من الآن فصاعداً ضد العرب عموماً وسورية أرضاً وشعباً خصوصاً. بما يجعل من الضروري الرد الفوري على تلك الاعتداءات (بطريقة أو بأخرى) بهدف ردعها ومنع تكرار أعمالها الإجرامية، ورد الكرامة العربية من ناحيةٍ أخرى.

وإذا كانت الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي عاجزتين عن ردع العدوان الإسرائيلي ووقف التدخلات الخارجية وعسكرة الصراع الداخلي في بلد عضو في المجموعتين، فإن على قوى التحرر العربية والمقاومة والممانعة أن تنهض بعبء هذا الهدف النبيل.

3/2/2013

خان يونس/فلسطين

العدد 1195 - 23/04/2026