ألعاب «الفيس بوك»… إدمان أم تعويض..؟!

تنتشر على مواقع الإنترنت وضمن صفحات التواصل الاجتماعي الكثير من الألعاب التي تأسر العديد من شبابنا وتستحوذ على تفكيرهم وأحاديثهم. فبات البعض يقضي جل يومه خلف شاشة حاسبه ضمن عالم افتراضي، يهرب إليه الكبار من واقع مرير لا يجدون فيه لقمة عيشهم، ولا يملكون حرية إدلاء رأيهم، في ظل انقسام الوطن، وانتشار بائعي الدم وتجار السياسة، فاستقطبت هذه الألعاب الكبار والصغار؛ النساء والرجال من جميع الشرائح والفئات الاجتماعية؛ كما عشقها العاطلون عن العمل والذين لا يجدون وقتاً لرؤية أهلهم، فتغلغل حب العمل بداخلهم، وباتوا يحققون أحلاماً طالما رسموها في مخيلاتهم وحرمهم سوء الحال من تحقيقها، فأمسوا يعيشون سعادة افتراضية، لمشاهدة نجاحاتهم التي تمنوها دوماً. فمنهم من أحبها حتى الإدمان، ومنهم من منع نفسه من الاقتراب منها خشية التعلق بها، ومنهم من رآها هروباً من واقع مرير إلى آخر افتراضي جميل.

ألعاب عديدة ولاعبون كثر يزدادون يوماً بعد يوم وفقاً للإحصائيات العالمية، وفُتحت الصفحات لها وأقيمت من أجلها المنتديات التي تتحدث عن أسرار هذه اللعبة وطريقة لعب الأخرى والنقاش حولها. ألعاب كالمزرعة السعيدة أو مغامرة سندباد وغيرها، ألعاب (البوكر) وأخرى ألعاب للكرات والدراجات وغيرها للملابس.. إلخ، ألعاب كثيرة سرقت تركيز لاعبيها طوال اليوم، فأغلبهم لا يحصلون على قسط مناسب من النوم بل يسعون لبناء منازل وتشييد مصانع وشراء قصور، وممارسة التجارة التي لا خسارة فيها.. يكسبون ويكسبون، ولا يملكون وقتاً للراحة، متناسين التزاماتهم العائلية أو الدراسية أو المهنية، ملغين من جدولهم اليومي اهتمامات أخرى أو تنمية هواياتهم التي أحبوها سابقاً، فوصل الحد بالكثيرين إلى الوصول إلى حد الهوس بهذه الألعاب، والتي ينتج عنه مشاكل نفسية واجتماعية وتؤدي لإدمان اللعب على الإنترنت.

والغريب أيضاً أن البعض يدفع عبر بطاقات الائتمان لتطوير مركزه في هذه اللعبة، وفي المقابل لا يحصلون على أية مكاسب حقيقية نظير قضائهم ساعات طويلة أمام شاشات الكمبيوتر.

ولمعرفة أسباب إدمان هذه الألعاب، التقت (النور) عدداً منهم وسألتهم: لماذا لا يلجؤون إلى الزراعة أو التجارة الحقيقية؟ فالآنسة رنا قصرمللي (32عاماً) بينت أنها تلعب بهذه الألعاب، وعلى وجه الخصوص (المزرعة السعيدة) هروباً من الواقع ومشاكله، وقالت: (لا أفكر بأي شيء يزعجني أثناء اللعب، وجل ما أهتم به أن أحصد وأزرع في مواعيد محددة، وأن أبني بيتاً أو معملاً أو حظيرة للماشية)، وأكدت أن اللعبة تفصلك عن العالم الخارجي وتشعرك بأن همومك صغيرة خاصة في ظل الأزمة التي نعيشها منذ عامين ونيف. فمن غير المعقول أن نستمع دائماً إلى الأخبار ناهيك بأصوات القذائف. وهروباً من كل ذلك (ألتجئ إلى اللعب والابتعاد عن العالم الخارجي). ومن ناحية أخرى فإنك تشعر وكأن لديك أملاكاً وتكبر رويداً رويداً على خلاف العالم الحقيقي الذي ليس بمقدورنا أن نملك فيه أي شيء.

أما أحمد (35 عاماً) الذي يعمل مديراً للمبيعات فقد أكد أن هذه الألعاب من أوّلياته وخاصة (المزرعة)، فمنذ قدومه مساءً إلى المنزل أو في أوقات فراغه أثناء العمل يزورها (خوفاً من تلف المحصول).

أحمد يتحدث عن اللعبة بحماسة ويحصي ما يملكه من أشجار وبيوت وقصور بكثير من الثقة وكأن المزرعة حقيقية بالفعل.

كما دافع أحد ناشطي ألعاب (الفيسبوك) يامن (24 عاماً) بالقول: (إن الألعاب ليست سيئة جداً، لأنها تفتح مدارك العقل، وتدفع للبيع والشراء. ولكن السيئ فيها، هو الإدمان عليها)، وأضاف أنه على الرغم من محبته الشديدة لها إلا أنه يعمل على تنظيم وقته للعب.

وأشارت السيدة رولا (42عاماً) إلى أن هوس طفلها بالفسيبوك وألعابه أثر سلبياً على تحصيله الدراسي.

أما الأستاذ فراس الأحمد (30عاماً) فأكد أن الإنترنت حالياً هو المتنفس الوحيد للجميع في ظل الظروف الأمنية السائدة، وخاصة بعد أن أضحت العودة مبكراً إلى المنزل واقعاً لا مفر منها، دفعت الشباب للهروب من واقعهم، سواء السياسي أو الاقتصادي، لدرجة وصل بالبعض إلى حد الإدمان على هذه الألعاب، وقد تصل به إلى اللامبالاة واللاوعي للعب تلك اللعبة مساءً وصباحاً.

ورأى الأحمد أن مثل هذه الألعاب تعمل على جعل مجتمعنا دون هدف أو طموح، جل غاياته اللعب وإهدار وقته سدى، مشيراً إلى أنها تخلق فجوة كبيرة بين أفراد العائلة الواحدة، ويفقد معها مدمنوها مهاراتهم الاجتماعية لتفضيلهم العزلة والانطواء.

أما الآنسة ربا بولص (28عاماً) فأكدت أن شبابنا أصبح عاجزاً أمام الغزو الثقافي للمجتمعات الأكثر تطوراً من مجتمعنا.. فهم يفتحون لنا الباب الخلفي للحضارة لنخرج بنصر مزيف لواقعنا الأليم.. وقالت: (نحن أبقار سعيدة بمزرعتهم السعيدة.. واقعنا لا يخفي إلا وجوهاً دفنت في عالمهم الافتراضي.. بتنا دمى يحركها الغرب)، وعن مساوئ هذه الألعاب قالت: (تكمن أهم أخطارها في أنها تجمدنا فكرياً وتقيداً بوهم يسعدنا.. وتفتت المجتمع من الداخل من الوحدة الأصغر الأسرة وتعرينا ثقافياً في زمن تغيرت المفاهيم فيه)، أما عن الأثر الاقتصادي فأشارت أنها تبرمج الفرد المستهلك وغير المنتج وتحوله إلى متلقٍّ وغائب عن الدورة الاقتصادية في العالم الحقيقي.

في الختام فإن الألعاب التي تكثر على شبكات التواصل الاجتماعي باتت تأسر شبابنا وشاباتنا وتسلب أوقاتهم وتجعلهم مقيدين إلى شاشة الحاسب، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة لا تمكّن الفرد من أن يحقق أبسط أحلامه، وخاصة أن الأزمة الحالية التهمت الآمال المتبقية في جعبة الكثيرين، فعملت هذه الألعاب على تجريد مدمنيها من مهاراتهم الاجتماعية، وجعلتهم يتخلفون عن واجباتهم اليومية. فالأمر بات يتطلب أن تتضافر جهود جميع الجهات المسؤولة من أجل إعادة تفعيل الشباب-ات في المجتمع، وجعلهم يشاركون في بنائه ليكونوا فاعلين لا منفعلين ضمن واقعهم الافتراضي.

العدد 1194 - 15/04/2026