بساطة المكان وعذوبة قاطنيه سكتش «عودة إلى الصنوبر» للأخوين رحباني
يرصد عاصي ومنصور في اسكتش عودة إلى الصنوبر عالم (النَوَر) بتفصيلاته وعلاقاته الاجتماعية المتاخمة للمدن، والتي تعيش حياتها الطبيعية في الطبيعة البكر بين الأشجار والطيور وكائنات المكان المختلفة وحكاياته التي لاتنتهي. من هنا، أراد الأخوان رحباني أن تصبح الحكايات (قصص النور) أكثر واقعية عبر تركيبة درامية مشوقة بطلتها (خضرة) فتاة القبيلة و(هباب) عازف الطنبور.
ومن منا لم يتمتع بمفردات وجمل هذه الأغنية (نحنا ودياب الغابات ربينا) البسيطة اللحن والكلمات؟ تلك الكلمات التي مزجت بين التطريب والفرح، والتحزين عبر صوت فيروز الذي يحلق في فضاء العذوبة والجمال. خاصة حين يخرج صوتها الساحر معلناً الدعوة للحياة بمرافقة الإيقاعات الشعبية وصوت آلة (البزق) أو الطنبور. فقد عكست الأغنية واقع العيش في الطبيعة البكر بين سواقي المياه وزهور الغابات والصنوبر من جهة، وتماهت مع الغناء الشعبي والفلكلور الجبلي من جهة أخرى، لأنها أُنجزت على مقام موسيقي واحد هو (بيات الري). لكن الكثير منا لايعرف حكاية الأغنية وشخصيتها المحورية (خضرة) التي ترقص على نغمة الأغنية والألحان بمرافقة حبيبها عازف الطنبور (هباب).
تندرج حكاية اسكتش (عودة إلى الصنوبر) للأخوين رحباني ضمن الاسكتشات ذات الأفكار الوجودية والحياتية، مثل اسكتش (حكايات الربيع)، و (ليالي نيسان)، لكن المستمع لاسكتش (عودة إلى الصنوبر) ينحاز إلى المكان (غابة الصنوبر) وإلى قاطنيه (نَوَر الجبال) انحيازاً كاملاً عبر الموسيقا والغناء الذي يصوِّر مجتمع الغجر وعشقه للطبيعة والتجوال. فيظهر المكان وكأنه سيد الحكاية ومحركها الدرامي، وغابة الصنوبر التي تبعث رائحة العشب والبيلسان وتزركش الجبال بقاماتها العالية لاتعكس جمالية الرؤيا فحسب بل تتعداها لتصبح الخيام المنصوبة تحت ظلالها ملعباً للأحلام، وفضاء مليئاً بالصفاء والأنس والبساطة والعشق التي تميز مجتمع الغجر. وقد جعل الرحابنة من المكان الحكاية التي تدعو إلى التعلق ليس بالمكان الطبيعي(الفيزيائي) فحسب، بل بعلاقاته الحميمية بين الإنسان ومحيطه الاجتماعي عبر المقارنة القصدية بين مجتمع الخيام ذي العلاقات البسيطة والمدينة وعلاقاتها المعقدة وأشكالها المتسارعة. فانحاز المستمع لحضور المكان البهي الذي يبعث الأمان والراحة في نفوس قاطنيه (قبيلة نَوَر الجبال).
يبدأ الاسكتش بأغنية شعبية مشغولة على الإيقاعات السريعة والراقصة التي تعبر عن أجواء قبيلة النَّوَر
(نحنا النَّور نحب السمر / ننصب خيمنا بين الشجر/ بين الصنوبر بنحب نسهر/ ونشوف ونسمر مع القمر).
ومن كلماتها نلمس علاقة النَّور بالصنوبر وارتباطهم بعقد السهرات الطويلة في الليالي. لكن المغاير في الحكاية هو خروج (هبّاب) عازف الطنبور من القبيلة إلى المدينة وتقديم معزوفاته على مسارحها بمساعدة أحد المستشرقين، تاركاً حبيبته (خضرة) فتاة القبيلة لعالم الغابات وأشجار الصنوبر وأزهار الغاب.
وتعلن (خضرة) عشقها من خلال الاستغاثة بزهرات الغاب، حين تبوح بعشقها وتغني:
(يازهرات الغاب / بيوم قصاب/ بهالولف الجذاب قلبي ذاب/ كلما طيفو لاح/ طيبو فاح/ وكلما عني راح خلا جراح/ صوتو هالفتان في أشجان/ ماعرفتو عشقان أو نسيان).
وقد ابتكر الرحابنة في هذه الأغنية وعبر الوقفات الصوتية بين مقطع وآخر التحزين في الأداء في جملة (أوف يابا) فاتسعت دائرة الأغنية لتدخل مساحات الوجد والتصوف. وفي أغنية (نحنا ودياب الغابات ربينا) تنكشف صورة الانسجام الموسيقي الفطري التي تميز موسيقا الغجر ونلمس عبر جملها الموسيقية والغنائية ذلك الانسجام بين صوت فيروز وهباب والمجموعة بأصواتهم الحادة والرخيمة والتي تكرر لازمة الأغنية لتنتهي بارتجالات لحنية يؤديها (هباب) على آلة الطنبور.
لكن هذا الانسجام ينتهي بغياب هباب في لحظة من لحظات الحكاية، حين يغادر مع المستشرق إلى المدينة ويعزف على مسارحها معزوفة خضرة وترقص على أنغامها راقصة المدينة التي لاتدرك أسرار حركتها، فعاد (هباب) إلى الصنوبر، لكن بعد فوات الأوان. إذ إن (خضرة) أعلنت الزواج من أحد أبناء القبيلة رداً على غيابه، والمستمع في النهاية يميل إلى بساطة العزف لمقطوعة (خضرة) بين غابات الصنوبر أكثر من المعزوفة التي يؤديها (هباب) مع الأوركسترا على مسرح المدينة. وكأن الرحابنة هنا وضعوا المعزوفتين أمام المستمع ليميِّز بينهما، وينحاز إلى فطرية العزف على آلة الطنبور وارتجالاته.