بعد انقطاع البث

التقته مصادفة، وخفق قلبها بشدة… هو أمجد شاب من عائلة ثرية، له مغامرات عديدة مع شابات كثيرات لكنها المرة الأولى التي يصادف فتاة جذبته ببراءتها..بعفويتها.. جميلة مهضومة… أحبها منذ وقعت عليها عيناه. وأصبحت كل دنياه، تعلق بها وصار من حبه ينظم فيها القصائد ويكتب لها الخواطر..كانا يتواصلان عبر الهاتف بعد انقطاع بث التلفزيون وبعد برنامج تصبحون على خير، فكانت علامة موعد لقائهما بعد انقطاع البث….أحبا بعضهما حباً صادقاً جميلاً. خططاً. لكل لحظة آنية ولكنهما لم يستطيعا تقرير مستقبلهما، فعند ذكر أحلامهما تدمع عيناهما… كانا من دينين مختلفين… يا رب السموات  لمَ كتبتَ العذاب على هذين الشابين؟

 حاول أمجد إقناع سارة أن تهرب معه إلى خارج البلد ويتزوجان ويعيشان معاً بحب وسعادة… لكنها لم تستطع بناء سعادتها على حساب تعاسة عائلتها. وكانت تعرف أن الزواج من غير دينها سيقتل والدها، فهو لن يتحمل مثل هذه الفضيحة في عائلته…  بكت بحرقة وهي تبلِّغ أمجد قرارها النهائي: لا أستطيع أن أسبب لوالدي الحزن.. أرجوك سامحني..

أغلق أمجد سماعة الهاتف وأخذت الدموع تنسال من مقلتيه، هو الذي لا يتذكر آخر مرة بكى فيها… لكنها سارة حبُّ حياته، اعتزل في غرفته أسبوعاً لم يكلم أحداً، ولم يلتق بأحد، ثم قرر أن يغادر، أن يسافر، فهو لا يستطيع أن يعيش في مدينة كل حجر فيها يذكره بمحبوبته… وفعلاً سافر وغاب بداعي الدراسة.

مرت السنون وكبرت سارة، درست وأكملت دراستها وأصبحت شابة ناضجة جميلة ومثقفة، روحها مرحة ومحبوبة… لكنها لم تنسَ يوماً حبها الأول. كلما مشت أمام بيته خفق قلبها، وكل حجر في مدينته يذكرها به.

كان يسكن في زاوية بقلبها.. ولكنها لم تعرف عنه شيئاً منذ ذلك اليوم… تقدم لها شاب ممتاز من كل النواحي، أعجبها وأحبته، تزوجا بسرعة، وبدأت سارة تبني بيتها وتنشئ عائلتها الصغيرة. بعد ثلاث سنوات وضعت مولودها الأول فرحة عمرها. ومن حيث لاتدري وجدت نفسها تسميه أمجد. مرت سنوات طويلة، عقدان من الزمن على آخر مرة التقت فيها أمجد. مصادفة ثانية جمعتها به دون موعد أو ترتيب. ياألله كم سنة مرت دون أن تراه، وهاهو ذا واقف أمامها يضمها إلى صدره، يخبرها كم حاول أن ينساها وفشل. وأخذ كل حبيب يحكي للآخر عن حياته خلال 21 سنة مضت.

وفوجئت أنه سمَّى ابنته سارة، كلٌّ منهما لم ينسَ الحب الذي كان.

وماذا بعد… أصبح خوفها أكبر من قبل، خوفها على أهلها وعلى أولادها ومن أن يتركها أمجد بعد أن التقته أخيراً، وبعد أن حرك مشاعرها النائمة ثانية، وخفق قلبها من جديد… ازداد خفقانه وأصبح يضرب بقوة… لم تعد تتحمل قوة الضربات، أحست بالإعياء ولم تستيقظ إلا في المشفى مربوطة بالأسلاك إلى جهاز كهربائي. الكل حولها، كل الناس الذين ضحت بسعادتها لأجلهم ينظرون بقلق وخوف… بحثت عنه فوجدته،كان يراقب من بعيد خوفاً أن يسبب لها القلق، خوفاً عليها من عاقبة أن يكون بقربها. كان حزيناً مهموماً ينظر إليها ويتمنى أن يأخذها بأحضانه.. ولكن ليس له مكان جانبها. يا لقسوة القدر! نظرت إليه عن بعد، وأغمضت عينيها وهي تبتسم له وحده… توقف هذا القلب الصغير الذي تعب من محاولة إسعاد غيره ولم يستطع إسعاد صاحبته… لم يعد هذا القلب يتحمل كل هذا الحزن. تمنت سارة وتمنى أمجد لو أن في بلادهم ما يشرّع علاقتهما تحت بند الزواج دون انتقاص لأي حق من حقوقهما.. هل سيحمل المستقبل القادم تغييراً، أم أن قصتهما ستتكرر دون حلّ جذري حقيقي؟

العدد 1195 - 23/04/2026