فلسفة التغيير

(التغيير) كلمة دخلت حياتنا مؤخراً وعلت الأصوات المطالبة بها، وخاصة مع بداية المرحلة التي سميت (الربيع العربي)، فما هو سر هذه الكلمة؟ وما سبب ظهورها المفاجئ؟ ولماذا المطالبة بها؟ وما هو معنى التغيير المطلوب؟.

لو أردنا البحث في إجابات هذه الأسئلة وجب علينا القول بداية إن التطور وعدم الثبات سنّة كونية ثابتة، ولكن هل المعنى الذي تحمله كلمة التطور هو دائماً معنى إيجابي تقدمي، أم هو معنى ملتبس يحمل في طياته التراجع والتخلف كما هو الحال في معنى كلمة (استعمار)؟.

في الحقيقة ما تزال هذه الكلمة مصدر خلاف بين المفكرين، ما يستدعي إفرادها في مقالة خاصة.

أما التغيير الذي يعتبر من أحد عناصر التطور، فهو مفهوم حديث الظهور في عالمنا العربي كما أسلفنا، وقد ارتبط ظهوره بالمعنى السياسي القائم على إحلال سلطة مكان سلطة أو حكومة مكان حكومة أو تغيير النظام السياسي للبلد بشكل عام، وهذا التغيير السياسي لم يكن غاية مطلوبة لذاتها، وإنما وسيلة إلى غاية أسمى هي ما يعقبه من إصلاح شامل لأوضاع البلاد بدءاً من استعادة الحريات المسلوبة مروراً بحقوق الإنسان ومتطلبات التنمية وحل مشكلات البطالة…، وانتهاء بدولة عظمى لها وزنها على الصعيد الدولي.

أما سبب ظهور هذا المفهوم فنابع بداهة من الحاجة إليه، هذه الحاجة التي ولدت من المقارنة بيننا وبين ما وصل إليه العالم الآخر من مستوى تجاوز التقدم بمراحل ودرجات، سواء من الناحية المادية أو الإنسانية، هذه المقارنة لم تكن متاحة في السابق بسبب انعزال كلا العالمين عن الآخر، أما اليوم وفي عصر العولمة والإعلام والنت، فلم يعد الاطلاع على ما عند الآخر عسيراً، بل إنه في درجة من اليسر والبساطة لا تحتاج معها إلا إلى الضغط على بضعة أزرار!.

وبسبب هذه المقارنة انخفض كثيراً مستوى الرضا لدى المواطن العربي عن معيشته، عندما شاهد أين يقف نظيره الإسكندنافي أو الغربي أو الأوربي، مما قدح شرارة للثورة في نفسه، ثم فجرها أرضاً ولما تنتهِ بعد إلى الآن.

وبالانتقال إلى معنى التغيير المطلوب، فواضح أنه يطمح إلى الإيجابية ولا يرمي إلى التراجع بل على العكس إنه يبغي الخلاص منه، ومادام الأمر كذلك فإنه يحتاج إلى خطة نظرية وخطوات عملية من شأنها أن تبدأ رحلة التغيير وترسخها في صلب المجتمعات.

وإني لأرى أن أولى هذه الخطوات تبدأ بتغيير النفس، فمن السذاجة أن يطالب الإنسان بتغيير مجتمعه ونفسه ليست قابلة للتغيير، ثم إن الناس ترنو دائماً إلى الاقتداء بأفعال الشخص لا بأقواله، وليس المجتمع في حقيقته إلا مجموعة أفراد، فإذا تغيرتُ أنا وأنت كان سبيل التغيير ميسراً أمام باقي الأفراد وصولاً إلى المجتمع بأسره.

وتغيير النفس يبدأ بتغيير معتقداتها وأخلاقياتها التي ستنعكس مباشرة على معاملة الناس ونظرتهم إلى صاحبها، ثم التفكير في محاكاة شخصيته أو النفور منها.

وأما الخطوة الثانية فإنها تحتل مكانة خطيرة في عملية التغيير، لأنها في الواقع هي التي تحدد الشكل الحقيقي للمجتمع، والتي تمثلها التربية ولا ريب أن التعليم أحد مقوماتها.

فالإنسان هو ما تربّيه وتعلمه، وبقدر المجهود المبذول في هذين الحقلين، تكون نتائجه إما إنساناً مثقفاً خلوقاً نافعاً لأمته ولبني جنسه من البشر، أو إنساناً عالة على مجتمعه مستنزفاً لطاقاته وخيراته، وعائقاً مستمراً أمام تقدمه وارتقائه.

إن كلاً من تغيير النفس والتربية والتعليم، ليست إلا خطوطاً عريضة وعناوين مجملة، وتحت هذه العناوين تندرج تفاصيل ومشاريع تبحثها علوم التنمية البشرية والأخلاق وعلوم التربية، وهذه لا تنتظر إلا العودة إليها وتفعيلها وتطوير ما يحتاج منها إلى تطوير، ذلك إن أردنا خيراً لأنفسنا ونهضة لمجتمعنا وبلادنا.

العدد 1195 - 23/04/2026