مسرح نيسين بين السخرية وتعرية السلطة الفاسدة … قراءة في مسرحيته «استعد»
ما الأدب إذا لم يوقظ ويحرض ويفتح أفقاً للنقاش؟ وما المسرح إذا لم يعرِّ ويكشف ويتوغل ويغيّر؟ وما الإبداع إذا لم يتذوقه الناس ويستعيدوه ويستشعروا ما فيه من وخزات لاذعة وأحاسيس إنسانية ولمسات جمالية ومفارقات لافتة؟
وعزيز نيسين (جحا) التركي (1915-1995) الروائي والمسرحي والإعلامي وكاتب حكايات الأطفال، أثار النقاش واسعاً حول نتاجه، وأغاظ سلطة (العسكريتاريا) التركية، فمنعته من الكتابة في الصحف، ثم منعت صحفه التي أنشأها بالتعاون مع أصدقائه واحدة بعد الأخرى، وعاقبته بالنفي والسجن، لكنها لم تمنع إبداعاته من القصص والروايات والمسرحيات والمقالات الانتقادية من الانتشار، إذ ترجمت أعماله إلى لغات عديدة، وصدرت بملايين النسخ، ونال جوائز أدبية رفيعة في مهرجانات الأدب الساخر ببلغاريا وروسيا وإيطاليا.
وخصص نيسين جزءاً من ريع كتبه وقيمة إحدى جوائزه لإنشاء مؤسسة لرعاية الأيتام تحمل اسمه، وظلت أعماله تقلق وتحذر وتضيء وتمتع، وتزرع البسمة وتشحذ هِمَمَ المهمّشين والمفقرين، فتحولهم من أرقام لا يحفل بها أحد، إلى قوة بشرية لها رأي وموقف وحضور.
بلغت أعمال نيسين الأدبية 67 كتاباً بين رواية ومجموعة قصصية ومسرحية، ومن أبرز مسرحياته: افعل شيئاً يا مِت – وحش طوروس- هل تأتون قليلاً؟
مسرحية (استعد) تجمع بين البساطة والسخرية اللاذعة، وتظهر هشاشة الأوامرية وبؤس نظرتها إلى الحياة، وإلى أعمالها، تدور أحداثها بجوار مكان مهجور، وقرب مستنقع صغير ودرج حجري لا يفضي إلى أي مكان مأهول.
حكاية المسرحية تصور حالة جنرال متقاعد مكفوف، يعاني نوستالجيا تعيده إلى حياته العسكرية السابقة، حيث الأوامر والأمجاد، وحيث الخضوع الأعمى للرتب العليا، وقد اضطرته ظروفه المتردية وهرب زوجته وولديه منه إلى عزلة خانقة، وإلى استخدام جندي سابق يساعده في تأمين احتياجاته ومرافقته في النزهات.
يشتهي الجنرال فارات أن يقوم بزيارة إلى شاطئ البحر، وينادي خادمه كي يقوده إلى هناك، لكن الجندي كراشان قد ضاق ذرعاً بطلبات الجنرال الكثيرة. وأحاديثه المملة عن (المعارك الوهمية) التي انتصر فيها، وعن العشرات الذين أعدمهم رمياً بالرصاص دون محاكمة، وعن الانضباط الصارم الذي فرضه، وضاق ذرعاً بشكواه الدائمة عن فساد الأحوال بعد خروجه من الخدمة، وانتشار الفوضى داخل البطانة العسكرية الحاكمة، وفي المجتمع، وانتقال عدواها إلى جيل الشباب.
يحاول الجندي السابق والخادم الحالي لجنراله القديم أن يتملص من الطلب، إذ ماذا يفعل مكفوف عند الشاطئ، يتوسل إليه الجنرال، ويشير إلى أنه يشتهي أن يغمس يديه بماء البحر، وأن يسمع هدير الموج، وأصوات المستحمين، لكن الجندي يواصل رفض الطلب، فيلجأ الجنرال إلى استخدام أسلوب الأمر العسكري السابق، ويقول: (استعدّ)، خذ وجهة شاطئ البحر، انطلق! فينفذ الخادم الأمر، لا احتراماً لرئيسه القديم، ولكن تلبية لمقتضبات عمل الخادم المهدد بانقطاع راتبه ومصدر عيشه، إن لم ينفذ أوامر سيده.
يقود الخادم سيده الجنرال إلى مكان مهجور فيه مستنقع صغير، ويؤكد له أنه واقف عند الشاطئ لكن الجنرال فارات يقول له: لا أسمع صوت الموج، ولا حركة المصطافين، فيرد الخادم بأن المنطقة التي قاده إليها مهجورة، وهي قريبة من مكسر الموج، فيمد الجنرال يده ويغمسها في الماء ويمسح وجهه، لكنه يستشعر قذارة الماء الآسن ونفاق مستخدمه، فيهدده ثانية باستخدام الأمر العسكري (استعد) ما دام التوسل والاستعطاف والإقناع لم يجد نفعاً، فيتظاهر الخادم بتنفيذ الأمر، ولكنه يلاحظ خواء سيده، وعزلته، وبؤس أحاديثه عن أيام المدرسة، وتفوقه على أحد منافسيه، والترقية التي حصل عليها في الخدمة قبله، مع أن المنافس كان أحق منه بالترقية، وهي أحاديث غدت مملة، ولاحظ الخادم أن صاحبها يعانيي شعوراً حاداً بالنقص ويحاول التعويض عنه بكثرة الحديث عن نجاحاته وانتصاراته الشخصية، بينما الواقع يؤكد أن الفساد نخر كل شيء.
والمفارقة الطريفة في خاتمة المسرحية أن الخادم لم يجد وسيلة توقف لجاجة الجنرال فارات، ومطالبه الكثيرة إلا اللجوء إلى استخدام الأمر العسكري (استعد)، فيقف على الدرج، وينادي: (استعد)! فيطيع الجنرال بصورة آلية كما كان يفعل أمام رؤسائه، وحين يسمع أمر التقدم، يسير بخطا منتظمة، ويصطدم بالجدار.
ليس في المسرحية أي تزويق أو إطالة أو مواقف خطابية، لكن فيها لوحات أقرب إلى الكوميديا السوداء، فالجنرال فارات الذي كان يأمر فيطاع، ويقود الوحدات الضاربة وينفذ الأوامر دون مبالاة بعواقبها، ودون اكتراث بمعاناة البشر، وكأنه مصاب بعمى بصيرة يمنعه من رؤية الكوارث التي تجلبها تصرفاته، وأوامر الطغمة العسكرية التي يخدمها، هذا الجنرال الذي كُفّ بصره فعلاً بعد تقاعده من الخدمة، ووجد نفسه وحيداً، لأن جميع معارفه وزملائه في الخدمة وأفراد أسرته انفضّوا عنه، لأنهم لم يتحملوا ادعاءاته وفظاظته وهوسه بتوجيه الأوامر، ونظراته بدونية إلى الآخرين، حتى خادمه.. الجندي السابق، لم يعد يتحمل تبجحه، ولم يعد يطيق سماع حكاياته عن أيام الدراسة، وتسلقه إلى الترقية قبل زملائه الذين يستحقونها قبله.
ونلمح المفارقة في مواقف عديدة في المسرحية، فالخادم يتظاهر بعشق الحياة العسكرية مثل سيده الجنرال، وحين لا يستطيع الجنرال إيجاد وسيلة تقنع الخادم بتنفيذ طلب له، يلجأ إلى الأسلوب العسكري الأوامري (استعد)، ويجاري الخادم سيده، ويتظاهر بتنفيذ الأمر، لكنه لا يفعل أي شيء، ويوهم الجنرال أن الأمر قد نفذ، وأنه في المكان الذي طلب التوجه إليه، وهكذا تحولت الأوامرية إلى صيحات فارغة، وتحول الجنرال إلى (فزاعة) لا تخيف أحداً. يلقي الجنرال اللوم على الآخرين في الإهمال والإفساد ونشر الفوضى المعممة، دون أن يرى مسؤولية من هم في مركزه عن هذا الخراب.
وتصل السخرية من (نظام الطاعة العمياء) إلى ذروتها، حين يضيق الخادم بتهديدات سيده وإهاناته وأوامره وطلباته المتلاحقة وأحاديثه المملة عن الانتصارات وتنفيذ الأوامر بدقة.
فيقلب قاعدة اللعبة ويجد أن توجيه الأوامر يمكن أن يكون مخرجاً من الوضع الصعب الذي بلغته علاقته بسيده، فيقف على الدرج الحجري، ويصدر أمر (استعد) للجنرال، الذي تعود أن ينفذ هذا الأمر حين يسمعه، وكأن نيسين يريد أن يشير إلى ضعف النظام الأوامري، وإمكان إزاحته حين يصل غضب البشر واستخدام قدراتهم الجماعية إلى المستوى الملائم.
يجد القارئ في معظم أعمال نيسين المسرحية والقصصية والروائية هذه التعرية للنظام الاستبدادي الأوامري، الذي لم يعزل الطبقة الحاكمة عن الناس فحسب، بل أساء إلى علاقة الشعب التركي بشعوب دول الجوار، في وقت كانت الظروف تستدعي أن تكون شعوب المنطقة متكاتفة متضامنة في وجه مشروعات الهيمنة والتفتيت والنهب، وهذا ما أكده نيسين في لقاءات وحوارات أجريت معه.