واشنطن تكرر «الموّال» ذاته تجاه الإرهاب!
بعد عملية (ذبح) الصحفي الأمريكي جيمس فولي من قبل عصابة (داعش)، وعرض ذلك على شاشات التلفزة العالمية، وجه الرئيس الأمريكي باراك أوباما خطاباً إلى الأمة الأمريكية المكلومة – حسب تعبيره- بالواقعة المذكورة.
ملخص ما جاء في الخطاب، أن التنظيم الإسلامي المتشدد قد تحول إلى سرطان يهدد العالم يجب استئصاله، وأن ذلك لن يتم إلا بتحالف إقليمي – دولي يُنشأ لهذا الغرض.
الملاحظ هنا أن أوباما اعتبر الأمة الأمريكية (مكلومة) إزاء مقتل هذا الصحفي، فكيف بمئات أو آلاف السوريين الأبرياء الذين طالتهم يد عصابة (داعش)؟ هؤلاء لم يهتز لهم ضمير أوباما، ولم يدلِ يوماً بتصريح على الأقل يدين هذه الجرائم، وكأن الدم السوري أرخص من الدم الأمريكي!
الآن نعود إلى الخطاب الذي ألقاه أوباما، كما أشرنا في بداية الحديث، ليتبين لنا ولكل من استمع إليه أو قرأه، أن صاحبه لم يوفق في شرح الظروف والملابسات التي حوّلت عصابة صغيرة مثل داعش لم يكن عددها يتجاوز المئات، إلى دولة وجيش وعشرات الألوف من الانتحاريين والمجرمين وقطاع الطرق والمرتزقة من أكثر من 85 جنسية. ألا يعرف أوباما أن حلفاء بلاده الأقرب والأوثق، هم الذين وفروا لداعش (شرايين الحياة والقوة) فكرياً ومالياً وتسليحاً ولوجستياً؟
بالتأكيد أوباما يعرف ذلك تمام المعرفة أكثر من جميع الناس.. يعرف من أين جاء هؤلاء بفكرهم التكفيري المتطرف، وبأموالهم ورجالهم، وكيف وصلوا إلى سورية عبر الحدود السورية مع تركيا والأردن والعراق ولبنان. أوباما يعرف أن الدول المعنية التي أوجدت ودعمت داعش، إنما فعلت ذلك بتوجيه أمريكي، إذ إنها لا تجرؤ على القيام بمثل هذا الدور من دون إيعاز أمريكي وموافقة أمريكية.. ولكن المسألة الهامة هي أن الإدارة الأمريكية كانت ومازالت تراهن على دور حاسم لعصابة (داعش) في إسقاط الدولة السورية، وبعدئذ لكل حادث حديث، كما يقال.
وعلى ما يبدو فإن إدارة أوباما لم تغادر هذا المربع بعد، ولم تتخلّ عن هذا الهدف، وهو إسقاط الدولة السورية من قبل (داعش) وتوابعها، رغم ما ساور إدارة أوباما من قلق بعد اقترابها من أربيل وذبحها للصحفي الأمريكي.
الواضح حتى الآن أن داعش في سورية لن تكون – على الأرجح- هدفاً لضربات عسكرية جوية أمريكية، وليس هناك ما يشير إلى استعداد أمريكي للتعاون مع سورية في إطار التحالف الإقليمي – الدولي المزمع إنشاؤه من أجل محاربة داعش، علماً أن سورية أصبح لديها خبرة كبيرة في محاربة (داعش) وغيرها من عصابات الإرهاب.. على العكس من ذلك كرر أوباما في خطابه الجمل والعبارات نفسها التي تسلل حلفاء واشنطن تحت جناحها لدعم داعش وجبهة النصرة وتوابعهما طوال الأعوام الثلاثة الماضية.
إذاً، خطاب أوباما فيه حديث مُلتبس عن دعم مُلتبس أيضاً لمعارضة معتدلة – حسب رأي الولايات المتحدة ورئيسها.. لقد أعاد أوباما تكرار (الموال) السابق ذاته، ضارباً عرض الحائط بمواقف ومصالح فرقاء أساسيين في محاربة الإرهاب، لا يمكن الحديث عن ائتلاف دولي – إقليمي مناهض للإرهاب من دونهم، وهم (روسيا والصين وإيران وسورية)، فكيف سينجح أوباما في مسعاه في مثل هذه الحالة؟
إن سورية التي انتعش فيها الإرهاب، خاصة من إرهاب داعش في شمالها الشرقي بتمويل نفطي وتسهيلات تركية وفكر وهابي أشد تطرفاً، سورية هذه بجيشها وأجهزتها الأمنية وبصمود شعبها، هي القادرة بالدرجة الأولى على التصدي لداعش ولإرهابييها الذين تقول مصادر غربية إن عددهم تجاوز خمسين ألف إرهابي.
السؤال: هل واشنطن مستعدة للانفتاح على دمشق وإدراجها في التحالف المزمع إنشاؤه، أم أنها مازالت تريد ضرب سورية بداعش وداعش بسورية، في حرب إفناء متبادل حتى آخر سوري؟
وإذا افترضنا نجاح التحالف في ضرب (داعش) في العراق، ثمة مؤشرات كثيرة إلى أن داعش ستذهب بفائض قوتها المتراكمة إلى الأراضي السورية، وبالتالي هل سيبقى خطر (داعش) محصوراً ضمن الجغرافيا السورية، أم أنه سيمتد غرباً وجنوباً؟ ما الذي سيفعله أوباما إزاء سيناريو كهذا؟
حتى وقت قريب مضى، ظلت الولايات المتحدة تتبنى رواية مضللة وغير دقيقة ومغرضة، تقول إن داعش صنيعة سورية، وابنتها غير الشرعية، وهي رواية رددها ائتلاف الدوحة العميل، علماً أن واشنطن تعلم علم اليقين أن هذا الادعاء غير صحيح، إلا أنها استخدمته غطاء لصرف النظر عن (داعش) إلى حين يشتد عودها، وإعطاء ضوء أخضر لحلفائها في تركيا ودول الخليج لمدّها بالأموال والرجال والتسهيلات الأخرى علها تنجح في تغيير قواعد اللعبة وإسقاط الدولة السورية.
باختصار، إن فكرة التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب صحيحة مئة بالمئة، إلا أنها لن تستقيم ولن تكون عملية وفعالة، في حالة إشهار الفيتو الأمريكي والغربي في وجه انضمام لاعبين مؤثرين إلى صفوف هذا التحالف، وفي حال استمرار الكيل بمكيالين في النظر إلى الإرهاب وداعميه وساحات قتاله.
الولايات المتحدة تريد محاربة (داعش) في العراق، وتتسامح معها بل تدعمها في سورية، هذا نفاق ما بعده نفاق.. الولايات المتحدة تغمض عينيها عن رعاة الإرهاب وداعميه المعروفين من حلفائها، وهذا أيضاً يشكل قمة النفاق.
ستبقى حكاية هذا التحالف الدولي – الإقليمي لمحاربة الإرهاب مجرد مسرحية دامية وسمجة، إلى أن تحسم أمريكا أمرها تجاه ما أشرنا إليه أعلاه، وتمتنع عن الازدواجية والمراوغة في موقفها تجاه ظاهرة الإرهاب.