هل ستقعد هند؟؟

وطال الهرج والمرج في مجلس النواب الأردني بدعاء أحد النوّاب وهو يرفع كلتا يديها (الله ينتقم منه الذي فعّل الكوتا النسائية هنا في المجلس)، وهذا النقاش الحامي وذلك الصراخ والمشادات الكلامية لم تبق داخل جدران البرلمان الأردني بل خرج إلى شبكات التواصل على أنواعها ليكون من الفيديوهات الأكثر مشاهدة في فترة زمانية على اليوتيوب لتبدأ بذلك سلسلة النقاشات حول الكوتا النسائية وأهميتها وضرورتها وماهيتها في المحطّات التلفزيونية العربية والعالمية..

وبالعودة إلى القصّة وما حدث في تلك الجلسة أنّ (هند) وهي نائبة في البرلمان الأردني رفعت صوتها بوجه أحد النواب وهي تناقشه بموضوع يتعلق بالقومية والعروبة وما إلى ذلك في موضوع الغاز، وحاول رئيس المجلس إسكات النائب لكنه لم يسكت بل بقي يصرخ بصوت عالٍ وكذلك حاول إسكاتها لكنها لم تقف عن الكلام والصريخ ليضجّ المجلس بأصوات الجميع، وبدؤوا يحاولون إسكاتها لكنها أبت إلا أن بقيت تجادل فيما تراه صائباً، حتى وقف أحد النواب ليقول على الميكرفون (اقعدي يا هند) وظل يصرخ مخبطاً على الطاولة وهو يردد الجملة نفسها ويطالبها بالجلوس إلى أن ضاق به الصبر فرفع كلتا يديه وقال (الله ينتقم منه الذي فعّل الكوتا النسائية هنا في المجلس) وأعادها عدّة مرات مع أن رئيس المجلس طالبه بسحبها لكنه أصرّ أنه لن يسحبها والحق دائماً على النساء اللواتي يجب أن يجلسن في بيوتهن متمثلاً بأحد الأحاديث النبوية التي تفضّل صلاة المرأة في بيتها على الصلاة في المسجد..

ولم تقف القصة هنا بل انتشرت كما انتشار النار في الهشيم وبدأت النقاشات تدور حول آراء النواب الأردنيين بالكوتا ومنهم النائب يحيى السعود الذي ردد هذه العبارة وعندما واجهته إحدى القنوات وطالبته بتفسير الموضوع قال (موقفي من الكوتا واضح أنا ضد كل الكوتات بما فيها النسائية ولا يعني أنني قصدت الإساءة إلى المرأة، فالمرأة أولاً هي أمي وأختي وابنتي وزوجتي، لكن الكوتا غير دستورية بدليل المادة 6 من الدستور تقول إن الأردنيين أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو الدين أو اللغة. ولأن المرأة هي نصف المجتمع فعليها أن تحصل على أصوات حقيقية تنافس فيها الرجل وليست مشكلتي في الحاضنة الاجتماعية التي تصعب ذلك، أما أن أميز المرأة ضد الرجل وأميز البدو وأميز الشيشان وأميز الشركس وأميز المسيحيين، فهذا مخالف للدستور).

أما هند فهي تنوي إطلاق مبادرة  (لا تقعدي) بالتنسيق مع ملتقى البرلمانيات الأردنيات ولجنة المرأة.

وستستجوب المبادرة وزير التعليم العالي وذلك بسبب سياسته بإضعاف دور المرأة من خلال تعيين نسبة لم تتجاوز 2% فقط من النساء في مجالس أمناء الجامعات.مؤكدة  (أن الوصول للبرلمان عن طريق الكوتا لا يقلل من الدور التشريعي والرقابي)، أما عن انتشار  الفيديو فقد رأت أن ذلك يشكل نقطة ايجابية لأن المشاركات عبر تويتر واليوتيوب والفيسبوك تجاوزت (17) مليون مشاركة وأن جميع التعليقات عن هند كانت إيجابية وهذا يدل على وعي المواطن وفهمه وإيمانه بوجود المرأة في الصفوف الأولى برأيي هند الفايز النائبة في البرلمان الأردني..

أما نسبة مشاركة النساء في البرلمان الأردني فهي 12% عام 2014  وذلك بحسب موقع البنك الدولي الذي يوضح نسبة النساء في البرلمانات الوطنية في العالم وهنا تم ذكر سورية بنسبة المشاركة نفسها التي تشاركها النساء في الأردن وهي 12%  بينما العراق 25% والسعودية 20% لبنان 3% الجزائر 32% السودان 24% تونس 28% لتبدو الجزائر من أكثر الدول العربية نسبة مشاركة للنساء في البرلمان.

أما في سورية فيبقى الأمر محيّراً  بالرغم من أن الدستور السوري أعطى للمرأة الحق بالترشيح والانتخاب إلا أن مشاركة المرأة مازالت محدودة، ففي الانتخابات التي جرت خلال عام 2012  تنافس على عضوية مجلس الشعب 7195 مرشحا ومرشحة في 15 دائرة انتخابية، على 250 مقعداً، وقد فاز منهم 30 امرأة، والـ 220 مقعد الباقية من حظ الذكور أي بنسبة 12% فقط من التمثيل والجدير بالذكر أن جميع النساء الفائزات لم يكن مستقلات وإنما ضمن قوائم تابعة للسلطة أو المتحالفين معها.  وهذا ليس بجديد، فبحسب (الكتيب التعريفي للمرأة في سورية):  مشاركة المرأة في مجلس الشعب منذ الدور التشريعي الأول عام 1973م حتى الآن ما زالت محدودة ومقتصرة على عضوات الجبهة الوطنية التقدمية..

ما يضعنا أمام تساؤل هل يجب فرض الكوتا النسائية لفترة محدودة إلى أن تكرّس فكرة وجود النساء في مجلس الشعب وفي أماكن صنع القرار، وهل هذا التمييز الايجابي سيعيد إلى النساء حقوقها؟

وبالعودة إلى مصطلح الكوتا بحسب بعض المراجع، فهو لاتيني الأصل يقصد به نصيب أو حصة، ارتبط هذا المصطلح تاريخيًا بما يسمى بـ (التمييز الإيجابي)، الذي أطلق لأول مرة في الولايات المتحدة الأمريكية على سياسة تعويض الجماعات المحرومة (الأقلية السوداء) في ستينيات القرن الماضي، حيث تم تطبيق نظام حصص نسبية (كوتا)، الزمت بموجبه المؤسسات التعليمية بتخصيص نسبة معينة من الطلاب المقبولين فيها للأقليات الأثنية (السوداء)، كما انتشر في بلدان أخرى كانت تشعر فيها الأقليات بأنها محرومة.

لكن الحديث عن الكوتا النسائية كمطلب حقوقي بدأ يستمد قوته ومشروعيته منذ انعقاد مؤتمر المرأة العالمي الرابع في بيجينغ عام 1995 والذي اقر وجوب اعتماد مبدأ الكوتا كتمييز إيجابي يساهم في تفعيل مشاركة المرأة في الحياة العامة، وصولاً الى تحقيق نسبة لا تقل عن 30 في المئة في حدود السنة 2005.

ومنذ ذلك الحين فقد استخدم هذا المصطلح بدرجة كبيرة للإشارة إلى تخصيص نسبة أو عدد محدد من مقاعد الهيئات المنتخبة (البرلمانات والمجالس البلدية) للنساء وذلك لضمان إيصال المرأة إلى مواقع التشريع وصناعة القرار. باعتبار الكوتا يمثل أحد الحلول المؤقتة، التي تلجأ إليها الدول والمجتمعات لتعزيز مشاركة المرأة في الحياة العامة.

وقد أثار مبدأ الكوتا اهتمام فقهاء القانون الدستوري والمثقفين والسياسيين وجرت بشأن ذلك مناقشات وآراء مختلفة، أما أنواع الكوتا فهي كوتا تعيينة: ترتبط بالإرادة السياسية (القرار السياسي) وكوتا تشريعية: تتطلب تغييرات دستورية وقانونية، وكوتا طوعية:تتبنى المؤسسات والكيانات السياسية تطبيقها طوعياً وكوتا تنظيمية: تتبناها إجراءات تنفيذ السياسات والخطط العامة والقطاعية ضمن تنظيم عملها.

ويمكن تطبيق الكوتا في: المواقع القيادية  في كل مفاصل أجهزة الدولة (التنفيذية، التشريعية، الهيئات الاستشارية، القضائية، اللجان) مركزياً ومحلياً. ومن خلال الهيئات القيادية للأحزاب والتنظيمات السياسية. ومن خلال الترشيح في الانتخابات العامة (الرئاسية، البرلمانية، المجالس المحلية). ومن خلال قيادة الأنشطة السياسية والمدنية والمجتمعية.

وبين الكوتا والتمييز الإيجابي ستبقى (هند) ومثيلاتها من النساء في العالم العربي تقاتلن وتناضلن للوصول إلى حقوقهن كمواطنات لهن الحق بأخذ دورهن في الدولة والمجتمع  دون تمييز..

العدد 1195 - 23/04/2026