الوضع العالمي.. وأوهام تجفيف منابع الإرهاب

في الوضع العالمي الراهن، من الضروري الرجوع إلى تلك المقدمات السياسية والاقتصادية والعلمية التي مهدت لهذا الوضع المتأزم، لمعرفة حقيقة ما جرى في القرن العشرين.. فقد ورث القرن الحادي والعشرون انقسام الاقتصاد العالمي إلى اقتصاد عالمي مالي، واقتصاد عالمي عيني، ولقد تضخم الاقتصاد المالي العالمي، مشكلاً الاحتكار المالي العالمي، الوحيد والمتفرد، والذي بات يعادل عشرة أضعاف الاقتصاد العالمي العيني. وفي ظل نظام النقد العالمي الدولاري، وتشكل الطغم المالية الدولارية التي باتت تسيطر على الاقتصاد العالمي، وعلى البنوك الدولية كافة، بدا الصراع واضحاً بين الرأسمال الصناعي والرأسمال المالي، بين تلك الدول الصناعية الكبرى والناشئة وبين النهب المنظم والمجاني لنسبة 40% من الصناعة العالمية تقوم بها الطغم المالية الدولارية، من خلال تصدير الدولار، وخلقه من لا شيء.. وقد انفصل الاحتكار المالي العالمي عن الدولة الأمريكية التي باتت تضع خدماتها العسكرية والاستخبارية لصالح هذا الاحتكار، وما يمثله من طغم مالية دولارية، تعمل بموجب قانون التضخم النقدي الدولاري لإحكام السيطرة على الاقتصاد العالمي العيني، وعلى السوق العالمية، من أجل استمرار هذا السوق، إضافة إلى إعادة الإنتاج الموسع الذي تلجأ إليه الرأسمالية الصناعية والدول الصناعية باسم نسب النمو الصناعي المرتفعة.

فالأزمة المالية العالمية التي انفجرت عام 2008 دفعت بالطغم المالية الدولارية إلى تلافي هذه الأزمة، عن طريق الاستمرار بتصدير الدولار وطباعته، في منحى التضخم العالمي، والذي بات القانون الاقتصادي الأساسي للطغم المالية الدولارية.

وبالإشارة إلى هذا الانقسام في الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين، ثمة حدث هام جرى مع نهايات القرن العشرين، وأدى إلى تبدلات اجتماعية واقتصادية وسياسية.. إذ أدت الثورة العلمية التقنية وثورة الاتصالات إلى تغيير واضح في البنى الاقتصادية للشركات والتقنية لهذه الشركات، كما أحدثت تغيراً نوعياً في الطبقة العاملة، وفي حجم قوى اليسار والأحزاب العمالية والنقابات لصالح نمو اليمين وصعوده، بعد هذه المتغيرات والتحولات الكبرى في العالم.

أدت الثورة العلمية التقنية وثورة الاتصالات إلى إعادة الهيكلة والتثبيت للشركات الكبرى الصناعية، بالاستفادة من التقانة والخبرات الجديدة، وخلق ذلك تغييراً كمياً ونوعياً في الطبقة العاملة في الدول الصناعية الكبرى، فاضمحلت الطبقة العاملة التقليدية لصالح المهندسين والخبراء من الفئة الوسطى في المجتمعات كافة، وهؤلاء عملوا على التقانة الحديثة والبرمجيات ولوحات التحكم والروبوتات الصناعية، إذ أمكن لعدد ضئيل من المهندسين والخبراء تشغيل المؤسسات الحديثة كما ظهر العمل عن بعد لدى الأفراد والشركات الكبرى العاملة في الخدمات المالية والتقنية.

ومع سيطرة الطغم المالية الدولارية على الإعلام العالمي وعلى الفضائيات والإنترنت، بدأ العمل على تفتيت الرأي العام، عن طريق هذه الأدوات الجديدة التي قتلت عملياً أدوات إنتاج المعرفة، وبدأت الفضائيات بأسلوب ممنهج يقضي بأن لا يكون ثمة رأي ممنهج لهذه الفضائيات يهدف إلى تفتيت الرأي العام وتشتيته، وخلق الأوهام واللامعقول في الفن الحديث، خاصة في الأفلام الموجهة لبعض دول العالم، متضمنة الأوهام والرعب واللاواقعية. في هذا الفن الذي اعتمد على الشكل الأكثر تقدماً في الفن المعروض، مع محتوى أكثر رجعية وتخلفاً، توجهه مراكز القرار المالي، لهذه الفضائيات. أدى استخدام التقانة والعلم من القوى الأكثر مرجعية في العالم، ألا هي الطغم المالية الدولارية، التي كانت تعلم جيداً أن لا مستقبل لها وأنها آيلة إلى السقوط، إن لم تسيطر على النقد العالمي، وبالتالي على الاقتصاد العالمي وعلى الرأي العام العالمي وفي كل دولة.

أما الشكل الرأسمالي في الدول المتخلفة والنامية والتابعة، فكان التأسيس للرأسمالية الليبرالية في تلك الدول، وإضعاف الدول والحكومات فيها عن طريق الرأسمالية الليبرالية المتنصلة من أي تدخل للدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، والضاربة عرض الحائط بالرأسمالية الصناعية لصالح تطور اقتصاد الفقاعة، واقتصاد الكازينو، الذي يهتم بالأرباح العالية الناجمة عن هذين الاقتصادين، بعيداً عن الصناعة والزراعة الوطنية التي تكلف الرأسمالية الليبرالية التخلي عن نفسها لصالح الأوطان التي تعيش فيها. وتؤدي الرأسمالية الليبرالية لا إلى تراجع دور الدولة فقط، وتراجع خدماتها الاقتصادية والاجتماعية، بل تصيب الدول عجز موازنة الدولة نتيجة تهرب الليبرالية الاقتصادية من دفع الضرائب والرسوم، أو دعم الدول والحكومات، إما نتيجة انفصال الليبرالية الاقتصادية عن الحكومات ودولها، فنلاحظ ارتفاع منسوب الدين الحكومي للحكومات الأمريكية، وطباعتها للسندات الحكومية وبيعها.. ولقد تحولت الحكومات الأمريكية والشعب الأمريكي أيضاً إلى خدم عند الطغم المالية الدولارية المنفصلة عن الحكومة الأمريكية منذ مدة طويلة مع الربع الأخير من القرن العشرين.. فقد أصبحت صاحبة النقد العالمي الراهن أجيرة عنده، بسبب العقلية الواضحة للطغم المالية، التي لا ترتبط بأي وطن ولا تهمها الأوطان، وهي مستعدة للتآمر على الجميع من أجل البقاء والاستمرار.

وعلى المستوى الاجتماعي والفكري، تتبين جلياً تلك التحولات الكبرى في العالم، التي أدت إلى تهميش كبير لفئات واسعة من الشعوب، كما خلفت المزيد من المرتزقة ومن التطرف والحقد على المجتمع وعلى البشرية وعلى الإنسانية، وكان ذلك كله مولداً لمنابع الإرهاب الذي بات يجول العالم، وجاء نتيجة السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للطغم المالية الدولارية، وللرأسمالية الليبرالية، التي أضعفت الحكومات، والدول، على حد سواء.. فملايين العاطلين عن العمل والعاملين في الخدمات الرأسمالية، والضغط الفكري الواضح الذي تمارسه الفضائيات والإنترنت والواقع  الافتراضي الناشئ لدى الشباب ومستخدمي الفيس بوك والتويتر واليوتيوب وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي، تعبر تعيراً جلياً عن مدى تفكك الرأي العام، إذ نلاحظ جلياً المفارقات العجيبة في مجموع الأفكار المطروحة والمتداولة التي تؤكد مدى تفتت الرأي العام، حتى أننا نلاحظ أن خمسة أشخاص لا يلتقون على فكر واحد أو فكرة واحدة، ويتضح جلياً أن سياسات الطغم المالية والليبرالية الاقتصادية والإعلام العالمي في جوقة واحدة تؤدي حتماً إلى اتساع منابع الإرهاب في العالم، وفي كل دولة من دوله، عدا الدول الصناعية التي نلاحظ فيها نمطاً آخر من الحياة الاجتماعية والثقافية، التي تلقى بحد ذاتها هجوماً واضحاً على حياتها، وعلى مواقعها الدولية، وفي نضال شعوبها ودولها ضد الطغم المالية الدولارية والليبرالية الاقتصادية، وأمريكا بالذات تحول هذه الشعوب والفئات إلى مواقع الطبقة العاملة، في إطار ديالكتيك جديد عالمي، يفصل بكل قوة بين الاحتكار المالي العالمي، ومصير الشعوب.. وفي حقيقة الأمر فإنه لا يمكن إلا نظرياً تجفيف منابع الإرهاب، بالاتكال على الطغم المالية الدولارية، أو عكس الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموماً، والطغم المالية في المنطقة العربية كالسعودية وقطر وإسرائيل، فالحل الأساسي هو في اللجوء إلى الشعب لتحقيق نصر حقيقي على الإرهاب، فلم يعد ثمة إمكانية واقعية لتحييد الشعب وعدم الاهتمام بموقفه في الحرب على الإرهاب، لأن الإرهاب هو الوجه الآخر المعادي للشعب والمعادي للإنسانية والبشرية، وهو نتاج أخلاقية لا وطنية ولا إنسانية تتولد من ممارسات الطغم المالية والليبرالية الاقتصادية والاستبداد والتهميش والإفقار وتفكيك الوحدة الفكرية الوطنية للشعوب، عن طريق مثل هذه الفضائيات المكرسة لبث اللامعقول واللإنساني والمنافي للأخلاق والوطنية والعاملة ضد الرأي العام وضد الوحدة الفكرية. وفي الحرب على الإرهاب، فإن طريق الوصول إلى الشعب يتطلب عملاً وطنياً أخلاقياً وإنسانياً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ودون ذلك يستحيل القضاء على الإرهاب، بل سوف تتعدد منابعه، ولا يمكن فعلياً تجفيفها.

العدد 1190 - 11/03/2026