خيارات متاحة تحتاج إلى تحرك حكومي

كيف يمكن تحريك العجلة الإنتاجية للصناعة الوطنية في ظل الظروف الراهنة؟

الصناعة الوطنية التي هي العمود الفقري للاقتصاد الوطني بعد الزراعة، تعرضت لهزات كبيرة وعنيفة ناتجة عن الأحداث المؤسفة التي تمر بها سورية، فمن تدمير للمنشآت، إلى تعثر في تسديد القروض، إلى صعوبة في تأمين المواد الأولية وارتفاع أسعارها، وصعوبة وصول العمال إلى أماكن عملهم، إلى الكثير من الصعاب الأخرى التي لا يسعنا هنا تعدادها.

الحكومة تتحرك حالياً وفق الكثير من التصريحات إلى جدولة القروض المتعثرة للصناعيين، وتعويض المنشآت المتضررة. حتى إنها ستخفض الضرائب على المنشآت التي تعرضت للتوقف. ولكن ما زال الجدل دائراً حول الأسلوب الأفضل في تحريك العجلة الإنتاجية، التي أصبحت ضرورة هامة لتعزيز صمود الاقتصاد الوطني، وخاصة في ظل الظروف الراهنة، بعد الاعتماد اعتماداً كبيراً على استيراد مواد كانت الآلة السورية تنتجها سابقاً، مما حمل ثقلاً كبيراً على الليرة السورية وأضعف قدرتها الشرائية، فالعودة إلى الإنتاج أصبح ضرورة، وخاصة حالياً، ولا بد من التحرك الجدي لذلك.

(النور) استطاعت الحصول على بعض الآراء حيال الأفكار المتداولة حالياً (التعويض والقروض والضرائب) ومدى جدواها الاقتصادية على كلا الطرفين: الحكومة والصناعي.

عضو غرفة تجارة دمشق: إنشاء مناطق صناعية آمنة ضرورة ملحة

أوضح مازن حمور، عضو غرفة تجارة دمشق، في تصريحه ل(النور)، أنه قبل التفكير بعملية التعويض أو منح قروض للصناعيين، يجب في البداية تأمين عنصر الأمان، فهو نقطة البداية، مشيراً إلى أن القروض أو التعويض لن تحقق الغاية المرجوة، لأن الصناعي لن يستطيع أن يعيد تشغيل منشآته المهدمة أو الموجودة في مناطق ساخنة.

وقال أيضاً: فمثلاً إذا أعطت الحكومة تعويضاً لصناعي بمبلغ عشرة مليارات ليرة سورية، فإن الصناعي لن يستطيع تشغيل منشآته، بل سيضع المبلغ في المصارف ويجلس دون عمل.. فالبداية يجب أن تكون في توفير الأمان.

ونوه حمور بأهمية إنشاء مدن صناعية آمنة في المناطق الآمنة، يستثمرها الصناعيون المحليون بأسعار رمزية، مع توفير مرفأ جاف فيها، يكون مسؤولاً عن توفير المواد الأولية للمدينة الصناعية، ويكون أيضاً مسؤولاً عن تصدير المنتجات التي تنتجها المدينة إلى الأسواق، ويجب أن تتوفر في هذه المدن جميع البنى التحتية، وحتى الأمور المتعلقة بالعمال من مبيت ومواصلات وغيرها من الأمور لضمان استمرار الإنتاج. ويمكن للمجتمع الأهلي وجميع الاتحادات أن تشارك في إنشاء هذه المناطق لتخفيف العبء المادي عن الحكومة، وبعد انتهاء الأزمة في سورية تقوم الحكومة باستثمار هذه المناطق، إما عن طريق المستثمرين المحليين أو تحويلها إلى مناطق حرة وجذب مستثمرين خارجيين إليها.

واقترح حمور أن تحول مبالغ التعويض أو القروض التي ستقدمها الحكومة إلى الصناعيين لإنشاء هذه المدن الصناعية الآمنة، لتحريك العجلة الإنتاجية، وبالتالي تخفيف الحمل المادي عن الحكومة وتعزيز الليرة السورية أكثر، وأن تصبح مبالغ التعويض التي ستمنحها الحكومة للصناعي ديناً عليها للصناعي مع فوائد، إلى أن يبدأ الصناعي بتشغيل منشآته وتقوم الحكومة بدفع هذا الدين للصناعي على شكل تخفيض للرسوم والضرائب أو التأمينات الاجتماعية والخدمات العامة المقدمة لمنشأته، إلى حين انتهاء المبلغ. وبهذا الشكل تضمن الحكومة استمرار العملية الإنتاجية أكثر من منح قروض أو تعويض فقط.

وأكد حمور أن التعويض عن الأضرار يجب أن يكون لجميع المواطنين سواء الصناعي أو المواطن العادي ولكن بنفس الوقت يجب الوقوف مع الخزينة العامة وعدم إرهاقها أكثر.

وبالنسبة إلى المشاركة مع القطاع العام وما تم طرحه، أوضح حمور، أن الفكرة هي أن تقوم الحكومة بمشاركة القطاع الخاص في المنشآت التي تعمل وتنتج من حيث التمويل، ولكن يبقى السؤال حيال هذه الفكرة هو: هل يمكن للمنشأة حتى بعد مشاركة القطاع العام لها أن تستمر بالإنتاج في ظل عدم توفر عنصر الآمان؟

وبالنسبة إلى القروض المتعثرة على الصناعيين ومنشآتهم أوضح حمور، نحن مع مساعدة المصانع المتعثرة، وقد فصل موضوع التعثر في تسديد القروض قبل الأزمة السورية عنه ما بعد الأزمة. فالقروض المتعثرة قبل الأزمة يجب على الصناعي تسديدها ويجب مساءلته قانونياً، أما بعد الأزمة فيجب دراسة كل حالة على حدة لاختلاف ظروف المنشأة والصناعي عن غيره من المنشآت.

وبالنسبة إلى توجيه التعويض الحكومي لقطاعات صناعية استراتيجية معينة قال حمور: يجب تعويض الجميع في البداية، ومن ثم إذا شاءت الحكومة أن تدعم الصناعات الاستراتيجية، فإنه يمكنها ذلك بزيادة الدعم المالي لها، لتسرع في إقلاعها وإنتاجها.

وعن كيفية معاملة المنشآت الصناعية من حيث التكليف الضريبي، وخاصة المتضررة تضرراً مباشراً، أوضح عضو غرفة تجارة دمشق، أن المنشآت الصناعية قد فُصلت أيضاً من حيث الفترات الزمنية، فهناك منشآت صناعية مكلفة قبل الأزمة السورية، وهناك منشآت كلفت وتعثرت أثناء الأزمة، وهناك منشآت أغلقت، وهناك منشآت هدمت، وهناك منشآت نصف مغلقة، وهناك منشآت لا يمكن أن تصل اليد العاملة إليها. فيجب دراسة كل حالة على حدة فللمواطن حق وللحكومة حق.

عثمان: التركيز على المنشآت الاستراتيجية

وأوضح الخبير الاقتصادي محمد عثمان في تصريحه ل(النور)، أن فكرة طرح قروض طويلة الأجل للصناعيين دون فائدة هي فكرة خاطئة اقتصادياً، إذ يجب أن يغطي القرض عامل التضخم والقيمة الزمنية للنقود، ولكن يمكن الحديث عن قرض طويل الأجل بفوائد مخفضة لتغطية عامل التضخم، ويمكن أيضاً الحديث عن قروض قصيرة الأجل دون فوائد لمساعدة الصناعيين.

وعن فكرة تعويض المنشآت المتضررة أوضح عثمان أنها فكرة لن تؤتي أكلها أبداً، لأنها لن تعيد المنشآت إلى العمل وسترهق الخزينة العامة فقط.

وأكد عثمان أهمية وضع سياسة صناعية لمدة عشر سنوات على الأقل، وعلى أساسها يجري التعويض، فهناك منشآت ليس لها أهمية وهي خاسرة حتى قبل الأزمة السورية، وتعرضت للتدمير، فهل تُعوّض حالياً وتصرف الأموال عليها، في حين أن هناك منشآت استراتيجية تعرضت للهدم أيضاً، ويُعدّ تعويضها ذا جدوى اقتصادية أكبر للاقتصاد الوطني.

ولفت عثمان إلى أهمية تعويض المنشآت الإنتاجية ذات البعد الاستراتيجي، ومن ثم بناء البينة التحتية لهذه المنشآت، وتقديم إعفاءات ضريبية، والتركيز على نوعية الإنتاج الذي يحتاج إليه الاقتصاد.

وبالنسبة إلى القروض ولفكرة التشاركية مع القطاع العام أوضح عثمان، أنه من الضروري إعادة جدولة القروض للمنشآت الصناعية الخاصة، والتشاركية هي فكرة جيدة، وهي خيارات متاحة يجب التحرك نحوها.

وعن كيفية تحصيل القروض المتعثرة من الصناعيين أوضح عثمان أن أفضل طريقة للحصول على القروض المتعثرة من الصناعيين، هو منح الصناعيين قروضاً إنتاجية للمنشآت الاقتصادية لسد ما عليهم من قروض، مشيراً إلى أن كل دول العالم تعمل على هذه الطريقة.. فعندما حدثت الأزمة المالية العالمية قامت الولايات المتحدة الأمريكية بضخ أموال كثيرة في المنشآت والمصارف لكي تعيدها إلى العمل.

وكان الدكتور قدري جميل، نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، قد أكد أهمية تشكيل لجان لإعادة جدولة تسديد القروض وتشغيل المصانع والمنشات السياحية المتوقفة عن العمل في مناطق آمنة، إضافة إلى إعادة النظر في الضرائب والرسوم والفوائد المترتبة عليها، ومعالجة مشاكل الحرفيين، لافتاً إلى أن إعادة جدولة القروض والرسوم تضمن الحفاظ على حقوق الدولة، بالتوازي مع مساعدة المتعثرين على سداد القروض، مؤكداً ضرورة التمييز بين المتخلفين عن السداد قبل الأزمة وبعدها باعتماد توصيات اللجان الفنية المشكلة لهذا الغرض.

وبلغ عدد المنشآت الصناعية المتضررة، والتي تقدمت لغرفة صناعة دمشق وريفها بطلب تعويض 107 منشآت، حُوّلت طلباتهم للجنة المختصة بحصر قيمة التعويض، على أن تدرس القوائم ويُكشف عنها، وصولاً إلى قرار التعويض، ودفع 30% من قيمة الضرر.

وكان اتحاد غرف الصناعة تقدم إلى وزارة المالية بمقترحات حول إعادة النظر بجدولة القروض والضرائب والرسوم المترتبة، على مختلف المنشآت الصناعية والتجارية والسياحية، وتعديل كفالة حسن النية وفق شرائح تتناسب مع حجم الدين.

تعليق:مضاعفة الإنتاج وتشجيع إقامة صناعات في مناطق آمنة

وأخيراً يبقى مهماً أن نُذكّر بأن الظروف الراهنة تستدعي التحرك لدفع العجلة الإنتاجية المحلية بأي طريقة كانت، لما لها من أهمية بالغة في تعزيز القدرات الاقتصادية الوطنية وتخفيف العبء عن القطع الأجنبي في الاستيراد، فالطروح السابقة قد تكون متاحة حقاً، وخاصة إنشاء مدن صناعية في مناطق آمنة، يمكن بواسطتها التركيز على أهم متطلبات الاقتصاد الحالية، وخاصة فيما يتعلق بالصناعات الدوائية والغذائية الأساسية، مع الإشارة إلى أهمية دعم المنشآت الصناعية الحالية القائمة، والتي مازالت تنتج، ومضاعفة إنتاجها أكثر وتقديم العون لها.

العدد 1190 - 11/03/2026