اليوم العالمي للغة الأم

البلاغة لغة اسم مشتق من فعل بلغ، بمعنى وصل أو أدرك، وهي بحسب المعجم الوسيط: حسن البيان وقوة التأثير. وفي لسان العرب: هي الوصول والانتهاء، ونظراً إلى ما للبلاغة من مكانة شديدة الخصوصية في الوجدان العربي على مرّ العصور شعراً ونثراً وخطابة  فقد توالت اجتهادات العارفين بها لوضع تعاريفهم الخاصة لها وتوصيفها والتعريف بسماتها وخصائصها، ووضعوا الكتب والمصنفات المنقبة في أسرارها الباحثة عن دررها وفنونها،

ويعد كتاب (البديع) الذي وضعه عام 274 هـ الخليفة العباسي المثير للجدل عبد الله بن المعتز  (274- 296 هـ) أول كتاب يعنى بالبلاغة، توالت بعده المؤلفات الباحثة في شؤونها، فظهر كتاب (أسرار البلاغة) لعبد القادر الجرجاني (400- 471 هـ) وكتاب (نهاية الإيجاز في دراية الإيجاز) لفخر الدين الرازي (544-606 هـ) ثم جاء الخطيب القزويني (666- 739هـ) ليضع بصمته المميزة في هذا الميدان عبر كتابيه الشهيرين (تلخيص المفتاح) و(الإيضاح)، وإليه يرجع البلاغيون التقسيم التقليدي للبلاغة إلى فروعها أو علومها الثلاثة: علم المعاني الذي يعنى بمعرفة أحوال تركيب الكلام ومطابقته لمقتضى الحال – علم البيان الذي تتم به معرفة التعبير عن المعنى الواحد بطرق مختلفة مع مراعاة مقتضى الحال – علم البديع الذي يعين على معرفة كيفية تحسين الكلام بعد مراعاة مطابقته لمقتضى الحال.

ورغم كل ذلك.. ظلت البلاغة شأنها شأن سائر أنواع الفنون الأخرى، عصية على الخضوع لقانون أو معيار ثابت يمكن اعتماده مرجعاً لتقييم نص أدبي والحكم على جودته بلاغياً، فالقضية محكومة بمؤثرات شتى يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي بالتاريخي، مرتبطة إلى أبعد الحدود بذائقة المتلقي وربما بأهوائه أحياناً، فما قد أراه اليوم بلاغة قد يراه آخر غداً إطالة تبعث على الملل أو إيجازاً مخلا  بالمعنى والعكس صحيح، إلا أن المتمعن في جلّ آراء أرباب هذه الحرفة على تباينها واختلافها سيلمس ولا شك توافقاً شبه مبدئي على أساسيات تكاد ترقى إلى مقام المسلمّات التي لا ينبغي لمشتغل بالحرفة الخروج عنها أو تجاهلها.

يقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تعريفها: (هي إيضاح الملتبسات وكشف عوار الجهالات بأسهل ما يكون من العبارات)، ويزيد إمام اللغة الخليل بن أحمد الفراهيدي (100- 170هـ) في فسحة التعريف اتساعاً بقوله: (كل ما أدى إلى قضاء الحاجة فهو بلاغة فإن استطعت أن يكون لفظك لمعناك طبقاً فافعل).

ويوجز الخليفة العباسي هارون الرشيد فهمه لها بالقول: (البلاغة هي الدلالة بالقليل من اللفظ على الكثير من المعنى) وقريب منه قول أخيه إبراهيم بن المهدي (162- 224 هـ): (عليك بما سهل مع تجنبك الألفاظ السفل). أما عبد الله ابن المقفع (106- 142هـ) فيغوص أعمق في توصيفه لماهيتها بقوله: (هي التي إذا سمعها الجاهل ظنّ أنه يحسن مثلها) ثم ينصح متعاطيها محذراً: (إياك والتتبع لوحشي الكلام طمعاً في نيل البلاغة فذلك هو العيّ الأكبر).

هذه الآراء وسواها مما لا يتسع المقام لذكره تنحو غالباً نحو التشديد على مجموعة من العناصر تشكّل في مجملها ما يشبه معادلة دقيقة يتطلب حلّها مراعاة أكبر قدر ممكن من التوازن بين حدّيها: الشكل والمضمون، أبرز هذه العناصر هي الإيجاز والوضوح والبساطة والسهولة، إضافة إلى التأكيد على تناغم اللفظ والمعنى وتجنّب الابتذال والتكلف وغير ذلك من المعارج مما يصعب بلوغها إلا من خلال اجتياز مفازات الدربة والتحصيل والمران ومراكمة التجارب النوعية المفضية في نهاية المطاف إلى تكوين ما يعرف بالأسلوب المميز لصاحب التجربة، وكل ذلك يندرج تحت عنوان الاكتساب الذي لا يغني عن الحاجة إلى العنصر الأهم في كل فعل إبداعي ألا وهو الاستعداد الفطري والموهبة الأصيلة.

أما ذاك الخلط الشائع ما بين البلاغة والاستعراض الفج  للقدرات اللغوية والإنشائية من قبيل المبالغة في سوق غريب اللفظ مما يُحتاج معه إلى الرجوع للمعاجم والتفاسير، والإفراط في الاعتناء بالترادف الصوتي وبجرس الكلام والانسياق وراء فنون الطباق والجناس وغيرها من المحسنات اللفظية المجردة على حساب المعنى والمضمون، فليس من البلاغة في شيء بل لعله نقيضها ومقتلها، ومن المفارقات أن نقرأ اليوم نصاً يدعي الانتماء إلى تيار الحداثة أو حتى ما بعد الحداثة فنقع فيه على بعض من مظاهر هذه الآفات التي غالباً ما تودي به إلى مجاهل اللبس والغموض والإبهام أو تجعله أشبه بتلك الدمى التي تستخدم لعرض الألبسة الفاخرة على واجهات متاجر بيع الألبسة، في حين لا نُواجه بمثل تلك الإشكالية عند الرجوع لنصوص تعود للعصر الجاهلي كخِطب قس بن ساعدة الإيادي وأكثم بن صيفي وأشعار النابغة الذبياني وعنترة العبسي، ولعمري ما ذاك إلا العيّ الأكبر الذي حذر منه ابن المقفع أشد التحذير.

هذه الظاهرة المتفشية في شتى الأنواع الأدبية المعاصرة غالباً ما تؤشر إلى حالة من القحط أو النضوب لدى من يلتمسون بها التعويض عن خواء المضمون فيجنحون نحو المزيد من التعقيد والتكلف عبر الارتداد إلى الموروث وإعادة استنساخه بلغة جافة فجّة عاجزة عن مواكبة سيرورة الحياة والفكر وتلازم تطورهما الموضوعي،

ولعل هذه الظاهرة أحد أهم الأسباب التي تدفع العديد من أبناء الأجيال المعاصرة إلى النفور من اللغة العربية والنظر إليها من منظور سلبي يكيل لها الاتهامات بالجمود والتزمّت والقصور عن استيعاب تطور العلوم والفنون ومجاراته، حتى وصل الأمر بالبعض حدّ التنبؤ لها بمصير مشابه لمصير عادات الطعام الإنكليزية التي أفضى بها التعقيد والتكلف المبالغ بهما إلى التقوقع في القصور والصالونات الأرستقراطية والتحول لاحقاً إلى مظهر فلكلوري منبتّ عن الواقع كلياً،

بعض ملامح مثل هذا المصير المشؤوم بدأت تلوح في أفق لغة الضاد خصوصاً مع اقتحام الثورة الرقمية بمختلف تطبيقاتها للمشهد الثقافي العالمي، والأرقام الإحصائية حول معدلات القراءة والتأليف في العالم العربي تتحدث عن نفسها وتنبئ بما هو أخطر من الحديث المتداول عن حالة الجمود والتقوقع التي تلمّ بالمشهد الثقافي، لتتجاوزها إلى رصد أعراض انفصام شبه تام ما بين الحراك الثقافي وبيئته المجتمعية، فهل نتوقف ملياً للبحث في عمق المشكلة وأسبابها والبحث عن حلول لها أم نستمر في ممارسة عادة دسّ الرؤوس في الرمال والاتكاء على ما ورثناه من نتاج مبدعي عصور سابقة إنما دون الأخذ بنصائحهم القيمة وطروحاتهم المحذرة من أولئك الذين يسعون إلى سلخ اللغة العربية عن روحها وجعلها عبداً مطيعاً لقوالب النحو والإعراب ما يحول دون اضطلاعها بمهمتها وغايتها الأساس وهي الإيفاء بمتطلبات واحتياجات شؤون الحياة المستجدة؟

العدد 1140 - 22/01/2025