»«العاشق»… عبد اللطيف عبد الحمي…حكاية الناس الضعفاء المُفعمين بقوة الحب

 وهو يُحتضر، ويموت على طريقة القديسين، كان ثمة صوتان، يتناوبان، واحد (فرداني)؛ هو صوته، لايزال يُردد شعاراً قديماً بصوتٍ مبحوح (أمةٌ عربية واحدة) وآخر لمجموعة تجأر (واحد واحد الشعب السوري واحد)؛ الأول كان بقايا لإيمان لا يتزعزع أن اجتماع هذه الأمة التي تُدعى (عربية) هو اجتماع (حتمي) لا يأتيه الباطل؛ كما كان يُردد (الرفاق) دائماً بكامل الوهم والحلم، والصوت الآخر الذي يُردد بحالة قطيعية، ويصرخ بمنتهى الزيف (واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد) فيما الواقع يٌمزقه إلى مختلف الكانتونات. بهذه اللقطة المفعمة بالشحنة العاطفية، والمفتوحة على أمداء واسعة من ريف طاهر يردد صدى الصوتين، يُنهي عبد اللطيف عبد الحميد فيلمه (العاشق) الذي حاربته مختلف المؤسسات في (أمته العربية) من مصر وحتى الخليج، ومنعت عرضه في صالاتها.

القسوة والحب

ولعلّ أكثر ما يتمايز فيلم (العاشق) عن شغل عبد اللطيف عبد الحميد فيما قدمه من سينما سابقاً، حتى الآن؛ بأمرين، وإن كان لم يخرج عن معادلات عبد اللطيف عبد الحميد الفكرية والجمالية.

أما هذان الأمران، فهما: الجرأة التي قُدم بها، على وقع الكارثة وكابوسها، صحيح أن عبد اللطيف الحميد كان قد أنجز سيناريو فيلم العاشق قبل حدوث المحنة السورية بقليل، غير أنه خلال التصوير وجد نفسه يدخل في عمق هذه المحنة وتفاصيلها، ليذهب الفيلم بحمولات هائلة من الرموز التي تُشير إلى أسباب كل ما حدث. ومن ثم تكمن هذه الجرأة في التساوق بين أحداث الفيلم وأحداث الواقع، وفي إشارته إلى الأسباب الخاطئة التي أوصلت الأمور إلى ما هو عليه.

وأما الأمر الثاني، فكان في شغله الجمالي على المشهد البصري، بحيث يُمكن للمتلقي أن يكتشف لغتين كجناحين يحملان الفيلم على التحليق، في تلك اللقطات الواسعة الأمداء للمشاهد البصرية، لاسيما في الانتقال إلى الريف الذي يصرّ على طهارته، أو في الحيزات الضيقة التي يكاد الهواء فيها يوشك على الوجوم في المدينة التي لا تُسامح، ولعل هذا ما برز في مشاهد هروب العاشقين من المدينة التي فقدت أوكسجينها، وهي هنا دمشق، إلى الريف بكل تنوّع مداه، تمثل ذلك أيضاً بوالد العاشقة – ديمة قندلفت – الذي لايزال يصرّ على (سنّ سكينه) لذبح العاشقين الهاربين والنيل منهما ، فيما كانت مسامحة الأب والد العاشق – عبد المنعم عمايري – في ريف اللاذقية وتقديمه الملاذ لحبٍّ هارب، ويُصفع طول الوقت.

الثابت الجميل

غير أن الثابت في شغل عبد اللطيف عبد الحميد، والذي لايزال مستمراً من أوّل أفلامه؛ هو أنّ ثمة سوريين قد (يكفرون) بكل شيء إلا أمرين ايضاً؛ هما: العلم وحب الوطن، وهم السوريون الأجمل، لكنهم كانوا طول الوقت هم الأضعف، والأكثر هشاشةً، تماماً كما نباتات الطبيعة، فالنباتات غير المفيدة هي الأكثر بقاء، فيما النباتات الجميلة والمفيدة هي الأكثر زوالاً.

حياة واحدة لا تكفي لشخص لصناعة سينما، نقد غالباً ما يواجه به صاحب التجربة الأكثر اكتمالاً في السينما السورية، عبد اللطيف عبد الحميد، قد يكون هذا النقد صحيحاً، لو أن ذاكرة هذا الرجل فردية، لا تشابكات فيها مع الآخرين، أو حياة بسيطة لا دراما فيها، مع ذلك أرى أنه حتى مثل هذه الذواكر والحيوات، فيها من الأحداث، ما يشكّل أفلاماً سينمائية، إذا ما توفر لها مُخرجٌ متمكّن. فكيف إذا كانت هذه الذاكرة تتقاطع مع ذواكر الآلاف، وربما الملايين، وينجدل فيها الخاص بالعام حد التماهي، بحيث يستحيلُ التفريق بين ما هو خاص، وما هو عام، ذاكرة جمعية يُقدمها عبد اللطيف عبد الحميد كتاريخٍ موازٍ، حاضرٍ بقوة كأنه يجري الآن وهنا..

يطرح عبد اللطيف عبد الحميد قصته بصرياً وسردياً بحكايتين، أو بروايتين، واحدة مفترضة من خلال شغل مخرج شاب على فيلمه الأول الذي يروي فيه حكايته كشخص جميل وضعيف، وحكايته في الواقع، وهنا الضعف مجازاً، ذلك أن الجميل هنا يكمن في هذا الضعف، ألم تكمن الأنوثة الخالصة والقوية ذات حين في صوت ضعيف كصوت نجاة الصغيرة، تماماً كما كمنت الرجولة المنكسرة في صوت عبد الحليم حافظ، بل إن قوة عبد الحليم حافظ؛ كانت في صوته الضعيف. على هذه الشاكلة يبرز عبد اللطيف عبد الحميد قوة شخصياته في ضعفها الجميل، رغم كل ما وصل إليه العاشق المخرج الشاب – عبد المنعم عمايري – من خوف وقلق، فهو يهرب إلى تحت السرير عند أقل موقف عدواني.

العاشقان المُحاصران بالقسوة، القسوة التي كانت هي محور الفيلم، هذه القسوة التي يكشف أسبابها عبد اللطيف عبد الحميد، هي أيضاً تتنوع، فيما تبدو هشة ومنكسرة وجوفاء واستعراضية عند فئة مُعينة في المجتمع السوري، التي تتدرج من التربية البيتية وحتى الحزبية والأمنية، فيما ثمة قسوة أشدّ خطراً تلك القائمة على المنشأ الديني والاجتماعي الزائفين، ثم كانت تلك القسوة على تدرجاتها وتنوعها؛ السبب في كل هذا الخراب الشامل.

علي الراعيبد

العدد 1194 - 15/04/2026