لماذا كان ماركـس محقّاً؟ (41)
يذكّرنا ماركس في (الرأسمال) أن الدولة البريطانية الحديثة، التي تعتمد على استغلال الفلاحين، الذين أُجبروا على أن يصبحوا عمالاً، تتعرّق دماً وقذارة من كل مسامٍ من مساماتها. وهذا واحد من الأسباب التي كانت ستجعله يجزع، فيما لو عايش الطريقة التي اتّبعها ستالين في إجبار الفلاحين الروس على أن يصبحوا من سكان المدن. نشأت أغلب الدول عن طريق الثورة أو الغزو أو الاحتلال أو اغتصاب الأرض أو شرائها أو في حالة الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق إبادة الشعب الأصلي.
والدول الناجحة هي الدول التي تستطيع محو هذا التاريخ الدموي من أذهان مواطنيها.. أما الدول التي لا يستند تأسيسها إلى أسباب شرعية، كإسرائيل وإيرلندا الشمالية على سبيل المثال، فستبقى، عادة، عرضة للنزاعات السياسية.
إذا كنا نتاج إحدى الثورات الناجحة جداً، فهذا يعني أننا في الوقت ذاته البرهان المضاد على عدم صحة ادّعاء المحافظين القائل بأن جميع الثورات تنتهي في نهاية المطاف إلى الفشل، وأن العودة إلى الوضع السابق تجعل الأمور أسوأ بألف مرّة مما كانت عليه، أو أن الثورة تأكل أولادها. ربما لم أُحط بكل ما تناقلته الصحف من أنباء، لكن حسب علمي، لم تسترجع الأرستقراطية في فرنسا ولا أشراف المناطق في ألمانيا السلطة بعد الثورة. ربما تحوز بريطانيا على بقية باقية من عصر الإقطاع مجلس اللوردات وممثل بعض دول الكمنولث فيه أكثر من باقي الدول الحديثة، لكن ذلك يعود بشكل خاص إلى أنهم يُسدون للطبقة الوسطى خدماتٍ جُلّى. فكما الملكيّةُ، هم أيضاً يُشيعون نوعاً من الهالة التي يُعتقد أنها تنقل عامة الشعب إلى حالة مفيدة من الاحترام والتأثّر. وإذا كانت غالبية البريطانيين لا تشعر بأن الأمير أندرو يشيع تلك الهالة من السلطة والسرّية، فهذا يعني أن هناك طرقاً أكثر فعاليّة لزيادة القيمة الذاتية.
تصف غالبية الناس في الغرب نفسها حالياً بأنها ضد الثورات، وهذا يعني على الأرجح أنها ضد بعض الثورات وأنها مع ثورات أخرى. فثوراتُ الآخرين هي غالباً أكثرُ جاذبيّة من الثورات الذاتية، مثلُها مثلُ الطعام الموجود على مائدة الآخرين في المطعم! لا شكّ أن أغلب هؤلاء الناس يؤيّد الثورة التي أنهت الوجود البريطاني في أمريكا في نهاية القرن الثامن عشر، بل ويستحسن حصول الدول المستعمرة كإيرلندا والهند وكينيا وماليزيا أخيراً على الاستقلال، كما لم يذرف أحد منهم دمعة واحدة على انهيار الاتحاد السوفييتي. ومع ذلك كانت جميع هذه الأحداث عنيفة، وكان بعضها أكثر عنفاً حتى من الثورة البلشفيّة. أليس من الأصدق أن نعترف بأننا ضد الثورات الاشتراكية وليس ضد الثورة عموماً؟
هناك بالطبع قلّة قليلة من الناس، وهم المسالمون، الذين يرفضون أي نوع من العنف، وغالباً ما يدعو عدمُ اكتراثهم لإهانة المجتمع لهم ووفاؤهم لمبادئهم إلى أسمى آيات الإعجاب. ومع ذلك، فالمسالمون ليسوا فقط بشراً يحتقرون أي نوع من أنواع العنف. وبغض النظر عن عدد ضئيل من الساديين والمرضى نفسيّاً، فإننا كلُّنا نكره العنف. وحتى تستحقَّ حركة المسالمين اسمها، يجب أن يكون وراءها أكثر من اعتبار الحروب شيئاً محتقراً. والأمثلة التي يمكن أن نوافق عليها قد تكون كثيرة ومملّة، مهما بدت عقلانيّة. فالمسالم الوحيد الذي يستحق النقاش معه هو ذلك المسالم الذي يرفض استخدام أي نوع من أنواع العنف بشكل قطعي، وهذا يعني ليس فقط أن يرفض الحروب والثورات، بل أيضاً أن يرفض ضرب مجرمٍ هاربٍ من العدالة على رأسه ضرباً يُفقده صوابه ولا يقتله، في اللحظة التي يوجّه فيها سلاحه إلى أطفال صغار في إحدى المدارس. أيُّ واحد منا قادر على فعل ذلك ولا يفعله، سيكون حتماَ في موقف حرجٍ جداً في أول اجتماع لأولياء التلاميذ مع إدارة المدرسة. ففي المعنى الدقيق للكلمة، لا شكّ في أن (مذهب المُسالمة) مذهب غير أخلاقي إلى أبعد الحدود.
ويوافق الجميع منا تقريباً على أن استخدام العنف في الحالات الاستثنائية جداً ضروري. وميثاق الأمم المتحدة يُجيز المقاومة ضد قوة الاحتلال. ومع ذلك يُفضَّل أن يبقى ذلك في أضيق الحدود وضمن شروط قاسية، أي لغرض الدفاع عن النفس، وكوسيلة أخيرة، وبعد استنفاد جميع السبل الأخرى وفشلها، وأن تكون السبيل الوحيدة لتفادي ما هو أسوأ، مع إمكانية تقدير النسبة والتناسب، وأن تكون هناك فرصة للنجاح وألا يؤدّي ذلك إلى موت مدنيين أبرياء، إلخ.
لقد تسبَّبت الماركسية خلال فترة قصيرة، ولكنها دمويّة، بعدد لا يُستهان به من أعمال العنف. كان ستالين وماوتسيتونغ من القتّالين بالجملة بشكل لا يمكن تصوُّره. وكما رأينا، لا يوجد اليوم سوى قلّة قليلة من الماركسيين الذين يدافعون عن هذا الإجرام الفظيع، بينما هناك العديد من غير الماركسيين الذين يبرّرون تدمير مدينتي دريسدن في ألمانيا وهيروشيما في اليابان.
تأليف: تيري إيغلتون